الأربعاء، ٤ أغسطس ٢٠١٠

مقال للشيخ ابن باز بعنوان الأدلة من الكتاب والسنة تحرم الأغاني والملاهي وتحذر منها

جاء في مقال للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله بعنوان :
((الأدلة من الكتاب والسنة تحرم الأغاني والملاهي وتحذر منها)) ما يلي :
لقد اطلعت على ما نشرته مجلة الرائد في عددها السابع والستين والثامن والستين بقلم أبي تراب الظاهري تحت عنوان : [الكتاب والسنة لم يحرما الغناء ولا استعمال المعازف والمزامير والاستماع إليها] وتأملت ما ذكره في هذا المقال :من الأحاديث والآثار وما اعتمده في القول بحل الغناء وآلات الملاهي تبعا لإمامه أبي محمد ابن حزم الظاهري , فتعجبت كثيرا من جرأته الشديدة تبعا لإمامه أبي محمد على القول بتضعيف جميع ما ورد من الأحاديث في تحريم الغناء وآلات الملاهي , بل على ما هو أشنع من ذلك , وهو القول بأن الأحاديث الواردة في ذلك موضوعة .
وعجبت أيضا من جرأتهما الشديدة الغريبة على القول بحل الغناء وجميع آلات الملاهي مع كثرة ما ورد في النهي عن ذلك من الآيات والأحاديث والآثار عن السلف الصالح رضي الله عنهم , فنسأل الله العافية والسلامة من القول عليه بغير علم , والجرأة على تحليل ما حرمه الله من غير برهان , ولقد أنكر أهل العلم قديما على أبي محمد هذه الجرأة الشديدة وعابوه بها , وجرى عليه بسببها محن كثيرة فنسأل الله أن يعفو عنا وعنه وعن سائر المسلمين .
ولقد حذر الله عباده من القول عليه بغير علم ونهاهم سبحانه أن يحرموا أو يحللوا بغير برهان , وأخبر عز وجل أن ذلك من أمر الشيطان وتزيينه , قال تعالى: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ }
وقال تعالى : { وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ } (1) { مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } (2) وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } (3) { إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } (4) فحذر الله سبحانه عباده في هذه الآيات الكريمات من التحليل والتحريم بغير علم , وبين سبحانه أن القول عليه بغير علم في رتبة رهيبة فوق الشرك , ونبه عباده على أن الشيطان يحب منهم القول على الله بغير علم , ويأمرهم به ليفسد عليهم بذلك دينهم وأخلاقهم ومجتمعهم , فالواجب على كل مسلم أن يحذر القول على الله بغير علم , وأن يخاف الله سبحانه ويراقبه فيما يحلل ويحرم , وأن يتجرد من الهوى والتقليد الأعمى , وأن يقصد إيضاح حكم الله لعباد الله على الوجه الذب بينه الله في كتابه أو أرشد إليه رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته نصحا لله ولعباده , وحذرا من كتمان العلم ورغبة في ثواب الله على ذلك , فنسأل الله لنا ولسائر إخواننا التوفيق لهذا المسلك الذي سلكه أهل العلم والإيمان , وأن يعيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا , إنه على كل شيء قدير .
وأنا ذاكر لك أيها القارئ - إن شاء الله - ما وقع في كلام أبي تراب وإمامه أبي محمد من الأخطاء , وموضح لك ما ورد من الآيات والأحاديث الصحيحة
والآثار في تحريم الغناء وآلات الملاهي , وذاكر من كلام أهل العلم في هذا الباب ما يشفي ويكفي , حتى تكون من ذلك على صراط مستقيم وحتى يزول عن قلبك - إن شاء الله - ما قد علق به من الشبه والشكوك التي قد يبتلي بها من سمع مقال أبي تراب وأضرابه من الكتاب , وبالله نستعين , وعليه نتوكل , ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
قال أبو تراب : ( وتحقيق المسألة أن الغناء وآلاته والاستماع إليه مباح , لم يرد في الشريعة - التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم - نص ثابت في تحريمه البتة , والأدلة تؤخذ من الأصلين وهما الكتاب والسنة , وما سواهما فهو شغب وباطل مردودة ولا يحل لمؤمن أن يعدو حدود الله قطعا . إلى أن قال في أثناء مقاله.... قال الحافظ أبو محمد ابن حزم : بيع الشطرنج والمزامير والعيدان والمعازف والطنابير , حلال كله , من كسر شيئا من ذلك ضمنه إلا أن يكون صورة مصورة , فلا ضمان على كاسرها , لما ذكرنا من قبل; لأنها مال من مال مالكها ) .
أقول : لقد أخطأ أبو محمد , وأخطأ بعده أبو تراب في تحليل ما حرم الله من الأغاني وآلات الملاهي , وفتحا على الناس أبواب شر عظيم , وخالفا بذلك سبيل أهل الإيمان وحملة السنة والقرآن , من الصحابة وأتباعهم بإحسان , وإن ذلك لعظيم , وخطره جسيم , فنسأل الله لنا وللمسلمين العافية من زيغ القلوب ورين الذنوب , وهمزات الشيطان , إنه جواد كريم .
ولقد ذهب أكثر علماء الإسلام وجمهور أئمة الهدى إلى تحريم الأغاني وجميع المعازف , وهي آلات اللهو كلها , وأوجبوا كسر آلات المعازف وقالوا : لا ضمان على متلفها , وقالوا : إن الغناء إذا انضم إليه آلات المعازف , كالطبل والمزمار والعود وأشباه ذلك , حرم بالإجماع , إلا ما يستثنى من ذلك من دق النساء الدف في العرس ونحوه , على ما يأتي بيانه - إن شاء الله تعالى - وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح إجماع علماء الإسلام على ما ذكرنا من تحريم الأغاني والمعازف إذا اجتمعا , كما سيأتي نص كلامه فيما نقله عنه العلامة ابن القيم رحمه الله , وما ذلك إلا لما يترتب على الغناء وآلات اللهو من قسوة القلوب ومرضها وصدها عن القرآن الكريم واستماع العلوم النافعة , ولا شك أن ذلك من مكائد الشيطان , التي كاد بها الناس، وصاد بها من نقص علمه ودينه حتى استحسن سماع قرآن الشيطان ومزموره , بدلا من سماع كتاب الله وأحاديث رسوله صلى الله عليه وسلم, ولقد اشتد نكير السلف على من اشتغل بالأغاني والملاهي , ووصفوه بالسفه والفسق , وقالوا : لا تقبل شهادته , كما سيأتي بعض كلامهم في ذلك - إن شاء الله - وما ذلك إلا لما ينشأ عن الاشتغال بالغناء والمعازف من ضعف الإيمان , وقلة الحياء والورع , والاستخفاف بأوامر الله ونواهيه , ولما يبتلي به أرباب الغناء والمعازف من شدة الغفلة , والارتياح إلى الباطل , والتثاقل عن الصلاة وأفعال الخير , والنشاط فيما يدعو إليه الغناء والمعازف من الزنا واللواط وشرب الخمور , ومعاشرة النسوان والمردان , إلا من عصم الله من ذلك .
ومعلوم عند ذوي الألباب ما يترتب على هذه الصفات من أنواع الشر والفساد وما في ضمنها من وسائل الضلال والإضلال وإليك - أيها القارئ الكريم - بعض ما ورد في تحريم الأغاني والمعازف من آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم . قال الله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ } (1) { وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } (2) قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره عند هاتين الآيتين ما نصه : ( لما ذكر حال السعداء وهم : الذين يهتدون بكتاب الله وينتفعون بسماعه , كما قال تعالى : { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ } (1) ا لآية , عطف بذكر حال الأشقياء الذين أعرضوا عن الانتفاع بسماع كلام الله , وأقبلوا على استماع المزامير والغناء والألحان وآلات الطرب , كما قال ابن مسعود في قوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } (2) قال : هو والله الغناء . وروى ابن جرير , حدثني يونس بن عبد الأعلى , أخبرنا ابن وهب , أخبرني يزيد بن يونس , عن أبي صخر , عن أبي معاوية البجلي , عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري أنه سمع عبد الله بن مسعود وهو يسأل عن هذه الآية : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } (3) فقال : عبد الله بن مسعود : الغناء , والله الذي لا إله إلا هو , يرددها ثلاث مرات . حدثنا عمرو بن علي , حدثنا صفوان بن عيسى , أخبرنا حميد الخراط , عن عمار عن سعيد بن جبير , عن أبي الصهباء , أنه سأل ابن مسعود عن قول الله { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ } (4) قال : الغناء ; وكذا قال ابن عباس وجابر وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد ومكحول وعمرو بن شعيب وعلي بن بديمة , وقال الحسن البصري : نزلت هذه الآية : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } (5) في الغناء والمزامير . وقال : قتادة : قوله : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } (6) والله , لعله لا ينفق فيه مالا , ولكن شراؤه استحبابه بحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق , وما يضر على ما ينفع ).
فتأمل - أيها القارئ الكريم - هاتين الآيتين الكريمتين , وكلام هذا الإمام في تسيرهما , وما نقل عن أئمة السلف في ذلك , يتضح لك ما وقع فيه أرباب الأغاني والملاهي من الخطر العظيم , وتعلم بذلك صراحة الآية الكريمة في ذمهم وعيبهم , وأن اشتراءهم للهو الحديث , واختيارهم له من وسائل الضلال والإضلال , وإن لم يقصدوا ذلك , أو يعلموه , وذلك لأن الله سبحانه مدح أهل القرآن في أول السورة , وأثنى عليهم بالصفات الحميدة , وأخبر أنهم أهل الهدى والفلاح , حيث قال عز وجل : بسم الله الرحمن الرحيم { الم } (1) { تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ } (2) { هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ } (3) { الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ } (4) { أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (5) ثم قال سبحانه بعد هذا: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } (6) الآية وذلك يدل على ذم هؤلاء المشترين , وتعرضهم للضلال بعد الهدى , وما كان وسيلة للضلال والإضلال فهو مذموم , يجب أن يحذر ويبتعد عنه , وهذا الذي قاله الحافظ ابن كثير في تفسير الآية قاله غيره من أهل التفسير كابن جرير والبغوي والقرطبي وغير واحد , حتى قال الواحدي في تفسيره : أكثر المفسرين على أن لهو الحديث هو الغناء , وفسره آخرون بالشرك , وفسره جماعة بأخبار الأعاجم وبالأحاديث الباطلة التي تصد عن الحق; وكلها تفاسير صحيحة; لا منافاة بينها , والآية الكريمة تذم من اعتاض ما يصد عن سبيل الله ويلهيه عن كتابه , ولا شك أن الأغاني وآلات الملاهي من أقبح لهو الحديث , الصاد عن كتاب الله وعن سبيله , قال أبو جعفر بن جرير - رحمه الله - في تفسيره - لما ذكر أقوال المفسرين في لهو الحديث - ما نصه : والصواب من القول في ذلك أن يقال عني به كل ما كان من الحديث ملهيا عن سبيل الله , مما نهى الله عن استماعه , أو رسوله ؛ لأن الله تعالى عم بقوله { لَهْوَ الْحَدِيثِ } (1) ولم يخصص بعضا دون بعض , فذلك على عمومه , حتى يأتي ما يدل على خصوصه , والغناء والشرك من ذلك ; انتهى كلامه .
وقال القرطبي في تفسير قوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ } (2) من في موضع رفع بالابتداء , لهو الحديث الغناء في قول ابن مسعود وابن عباس وغيرهما , ثم بسط الكلام في تفسير هذه الآية , ثم قال :
المسألة الثانية: وهو الغناء المعتاد عند المشتهرين به الذي يحرك النفوس , ويبعثها على الهوى والغزل والمجون , الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن , فهذا النوع إذا كان في شعر يشبب فيه بذكر النساء ووصف محاسنهن , وذكر الخمور والمحرمات , لا يختلف في تحريمه; لأنه اللهو والغناء المذموم بالاتفاق , فأما ما سلم من ذلك فيجوز القليل منه في أوقات الفرح , كالعرس والعيد وعند التنشيط على الأعمال الشاقة , كما كان في حفر الخندق , وحدو أنجشة، وسلمة بن الأكوع , فأما ما ابتدعته الصوفية اليوم من الإدمان على سماع الأغاني بالآلات المطربة من الشبابات والطار والمعازف والأوتار فحرام ) انتهى كلامه .
وهذا الذي قاله القرطبي كلام حسن , وبه تجتمع الآثار الواردة في هذا الباب , ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : « دخل علي النبي وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث , فاضطجع على الفراش وحول وجهه , ودخل أبو بكر رضي الله عنه , فانتهرني , وقال : مزمار الشيطان عند النبي , فأقبل عليه رسول الله , فقال : " دعهما " فلما غفل غمزتهما فخرجتا » (متفق عليه) ، وفي رواية « فقال رسول الله : يا أبا بكر , إن لكل قوم عيدا , وهذا عيدنا » (متفق عليه) . وفي رواية أخرى , فقال : « دعهما يا أبا بكر , فإنها أيام عيد » (متفق عليه) وفي بعض رواياته أيضا « جاريتان تلعبان بدف » (رواه مسلم) . فهذا الحديث الجليل يستفاد منه أن كراهة الغناء وإنكاره وتسميته مزمار الشيطان أمر معروف مستقر عند الصحابة رضي الله عنهم؛ ولهذا أنكر الصديق على عائشة غناء الجاريتين عندها , وسماه مزمار الشيطان , ولم ينكر عليه النبي تلك التسمية , ولم يقل له : إن الغناء والدف لا حرج فيهما وإنما أمره أن يترك الجاريتين , وعلل ذلك بأنها أيام عيد , فدل ذلك على أنه ينبغي التسامح في مثل هذا للجواري الصغار في أيام العيد ؛ لأنها أيام فرح وسرور , ولأن الجاريتين إنما أنشدتا غناء الأنصار الذي تقاولوا به يوم بعاث , فيما يتعلق بالشجاعة والحرب , بخلاف أكثر غناء المغنين والمغنيات اليوم , فإنه يثير الغرائز الجنسية , ويدعو إلى عشق الصور , وإلى كثير من الفتن الصادة للقلوب عن تعظيم الله ومراعاة حقه , فكيف يجوز لعاقل أن يقيس هذا على هذا , ومن تأمل هذا الحديث علم أن ما زاد على ما فعلته الجاريتان منكر , يجب التحذير منه حسما لمادة الفساد , وحفظا للقلوب عما يصدها عن الحق , ويشغلها عن كتاب الله وأداء حقه .
وأما دعوى أبي تراب أن هذا الحديث حجة على جواز الغناء مطلقا , فدعوى باطلة , لما تقدم بيانه , والآيات والأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب , كلها تدل على بطلان دعواه .
وهكذا الحديث الذي رواه سفيان الثوري عن أبي إسحاق السبيعي , عن عامر بن سعد البجلي , أنه رأى أبا مسعود البدري وقرظة بن كعب وثابت بن يزيد , وهم في عرس وعندهم غناء , فقلت لهم : ( هذا وأنتم أصحاب رسول الله , فقالوا : إنه رخص لنا في الغناء في العرس , والبكاء على الميت من غير نوح ) فهذا الحديث ليس فيه حجة على جواز الغناء مطلقا , وإنما يدل على جوازه في العرس , لإعلان النكاح , ومن تأمل هذا الحديث عرف أنه دليل على منع الغناء , لا على جوازه , فإنه لما رخص لهم " في الغناء " في العرس لحكمة معلومة , دل على منعه فيما سواه , إلا بدليل خاص , كما أن الرخصة للمسافر في قصر الرباعية يدل على منع غيره من ذلك , وهكذا الرخصة للحائض والنفساء في ترك طواف الوداع يدل على منع غيرهما من ذلك , والأمثلة لهذا كثيرة , وأيضا فإنكار عامر بن سعد على هؤلاء الصحابة الغناء وإقرارهم له على ذلك , دليل على أن كراهة الغناء والمنع منه أمر قد استقر عند الصحابة والتابعين وعرفوه عن النبي . والله المستعان . قال العلامة ابن القيم - رحمة الله عليه - في كتابه " إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان " ما نصه :
( ومن مكائد عدو الله ومصائده التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين , وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين , سماع المكاء والتصدية والغناء بالآلات المحرمة , ليصد القلوب عن القرآن , ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان , فهو قرآن الشيطان , والحجاب الكثيف عن القرآن , وهو رقية اللواط والزنا , وبه ينال الفاسق من معشوقه غاية المنى , كاد به الشيطان النفوس المبطلة وحسنه لها مكرا وغرورا , وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه , فقبلت وحيه , واتخذت لأجله القرآن مهجورا ) . إلى أن قال :- رحمه الله . ( ولقد أحسن القائل :
تلي الكتاب فأطرقوا لاخيفة ... لكنه إطراق ساه لاهي
وأتى الغناء , فكالحمير تناهقوا ... والله ما رقصوا لأجل الله
دف ومزمار ونغمة شادن ... فمتى رأيت عبادة بملاهي
ثقل الكتاب عليهم لما رأوا ... تقييده بأوامر ونواهي
سمعوا له رعدا وبرقا إذ حوى ... زجرا وتخويفا بفعل مناهي
ورأوه أعظم قاطع للنفس عن ... شهواتها , يا ذبحها المتناهي
وأتى السماع موافقا أغراضها ... فلأجل ذاك غدا عظيم الجاه
أين المساعد للهوى من قاطع ... أسبابه , عند الجهول الساهي
إن لم يكن خمر الجسوم فإنه ... خمر العقول مماثل ومضاهي .
فانظر إلى النشوان عند شرابه ... وانظر إلى النسوان عند ملاهي .
وانظر إلى تمزيق ذا أثوابه ... من بعد تمزيق الفؤاد اللاهي .
واحكم فأي الخمرتين أحق بالت ... حريم والتأثيم عند الله .
وقال :آخر:
برئنا إلى الله من معشر ... بهم مرض من سماع الغنا
وكم قلت : يا قوم أنتم على ... شفا جرف ما به من بنا .
شفا جرف تحته هوة ... إلى درك كم به من عنا .
وتكرار ذا النصح منا لهم ... لنعذر فيهم إلى ربنا .
فلما استهانوا بتنبيهنا ... رجعنا إلى الله في أمرنا .
فعشنا على سنة المصطفى ... وماتوا على.. تنتنا , تنتنا .
ولم يزل أنصار الإسلام وأئمة الهدى , تصيح بهؤلاء من أقطار الأرض , وتحذر من سلوك سبيلهم واقتفاء آثارهم من جميع طوائف الملة ) . انتهى كلام ابن القيم رحمه الله .
شبهة يجب أن تكشف : .
زعم أبو تراب . تبعا لابن حزم , أن قوله سبحانه { لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا } (1) الآية ... دليل على أن مشتري لهو الحديث من الأغاني والملاهي , لا يستحق الذم إلا إذا اشتراها لقصد الضلال أو الإضلال , أما من اشتراها للترفيه والترويح عن نفسه فلا بأس في ذلك , والجواب أن يقال : هذه شبهة باطلة من وجوه ثلاثة :
الأول : أن ذلك خلاف ما فهمه السلف الصالح من الصحابة والتابعين من الآية الكريمة , فإنهم احتجوا بها على ذم الأغاني والملاهي والتحذير منها , ولم يقيدوا ذلك بهذا الشرط الذي قاله أبو تراب , وهم أعلم الناس بمعاني كلام الله وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم وهم أعرف بمراد الله من كلامه ممن بعدهم .
الوجه الثاني : أن ذلك خلاف ظاهر الآية لمن تأملها ؛ لأن الله سبحانه قال :: { لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } (1)
فدل ذلك على أن هذا الصنف المذموم من الناس قد اشترى لهو الحديث , ليضل به عن سبيل الله بغير علم ولا شعور بالغاية , ولا قصد للإضلال أو الضلال , ولو كان اشترى لهو الحديث وهو يعلم أنه يضل به أو يقصد ذلك لم يقل الله عز وجل { لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ } (2) ؛ لأن من علم أنه اشترى لهو الحديث ليضل به عن سبيل الله لا يقال له : إنه لا يعلم وهكذا من قصد ذلك لا يقال : إنه اشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ؛ لأن من علم أن غايته الضلال أو قصد ذلك قد اشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بعلم وقصد , لا ليضل بغير علم , فتأمل وتنبه - أيها القارئ الكريم - يتضح لك الحق , وعليه تكون " اللام " في قوله { لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } (3) لام العاقبة , أو لام التعليل , أي تعليل الأمر القدري .
ذكر ذلك الحافظ ابن كثير وغيره , وعلى كونها للعاقبة يكون المعنى : أن من اشترى لهو الحديث من الغناء والمعازف , تكون عاقبته الضلال عن سبيل الله , والإضلال واتخاذ سبيل الله هزوا , والإعراض عن آيات الله , استكبارا واحتقارا , وإن لم يشعر بذلك , ولم يقصده .
وعلى المعنى الثاني , وهو كونها لتعليل الأمر القدري , يكون المعنى : أن الله سبحانه قضى وقدر على بعض الناس أن يشتري لهو الحديث , ليضل به عن سبيل الله , وعلى كلا التقديرين فالآية الكريمة تفيد ذم من اشترى لهو الحديث , ووعيده بأن مصيره إلى الضلال والاستهزاء بسبيل الله , والتولي عن كتاب الله , وهذا هو الواقع الكثير , والمشاهد ممن اشتغل بلهو الحديث من الأغاني والمعازف , واستحسنها وشغف بها , يكون مآله إلى قسوة القلب والضلال عن الحق إلا من رحم الله , وقد دلت الشريعة الإسلامية الكاملة في مصادرها وموردها على وجوب الحذر من وسائل الضلال والفساد والتحذير منها , حذرا من الوقوع في غاياتها , كما نهى النبي عن شرب القليل الذي لا يسكر , حذرا من الوقوع في المسكر , حيث قال عليه الصلاة والسلام: « ما أسكر كثيره فقليله حرام » (1) ونهى عن الصلاة بعد الصبح , وبعد العصر , لئلا يكون ذلك وسيلة إلى الوقوع فيما وقع فيه بعض المشركين من عبادة الشمس عند طلوعها وغروبها , ونظائر ذلك كثيرة يعرفها من له أدنى علم بالشريعة المطهرة , والله المستعان .
الوجه الثالث : أنه لو كان الذم مختصا بمن اشترى لهو الحديث لقصد الضلال أو الإضلال , لم يكن في تنصيص الرب عز وجل على لهو الحديث فائدة; لأن الذم حينئذ لا يختص به , بل يعم كل من فعل شيئا يقصد به الضلال أو الإضلال حتى ولو كان ذلك الشيء محبوبا إلى الله سبحانه وتعالى , كمن اشترى مصحفا يقصد به التلبيس على الناس وإضلالهم , فإن المصحف محبوب إلى الله لاشتماله على كلامه عز وجل , ولكنه سبحانه لا يحب من عباده أن يشتروه للتلبيس والإضلال , وإنما يشترى للاهتداء والتوجيه إلى الخير , وقد اعترف ابن حزم وأبو تراب بهذا الوجه , وزعما أن الآية تختص بهذا الصنف , وهو خطأ بين , وعدول بالآية عن معناها الصحيح , وإضاعة لمعناها الأكمل .
فعرفت - أيها القارئ الكريم - من هذه الأوجه الثلاثة , كشف شبهة أبي تراب وبطلانها , واتضح لك أن الآية الكريمة حجة ظاهرة على ذم الأغاني والملاهي وتحريمهما , وأنها وسيلة للضلال والإضلال والسخرية بسبيل الله , والإعراض عن كتابه , وإن لم يشعر مشتروها بذلك , وهذا هو الذي فهمه السلف الصالح من الآية الكريمة , وهم أولى بالاتباع رضي الله عنهم , وسبق لك كشف شبهة أبي تراب في تعلقه بحديث الجاريتين , وكشف شبهته الأخرى في تعلقه بحديث أبي مسعود البدري وصاحبيه في الرخصة لهم في الغناء وقت العرس , وأوضحنا فيما تقدم أن الحديثين المذكورين حجة ظاهرة على أبي تراب , وإمامه ابن حزم في النهي عن الأغاني والمنع منها لا على جوازها والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
وقد تكلم العلامة ابن القيم رحمه الله على الآية المتقدمة , وهي قوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ } (1) الآية , بكلام حسن يؤيد ما تقدم وهذا نصه قال رحمه الله : ( قال الواحدي وغيره : أكثر المفسرين على أن المراد بلهو الحديث , الغناء , قاله ابن عباس في رواية سعيد بن جبير ومقسم عنه وقاله عبد الله بن مسعود في رواية أبي الصهباء عنه , وهو قول مجاهد وعكرمة , وروى ثوير بن أبي فاختة عن أبيه عن ابن عباس في قوله تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ } (2) قال : هو الرجل يشتري الجارية تغنيه ليلا ونهارا , وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : هو اشتراء المغني والمغنية بالمال الكثير , والاستماع إليه وإلى مثله من الباطل , وهذا قول مكحول , وهذا اختيار أبي إسحاق أيضا , وقال : أكثر ما جاء في التفسير , أن لهو الحديث ههنا , هو الغناء ؛ لأنه يلهي عن ذكر الله تعالى .
قال الواحدي : قال :أهل المعاني : ويدخل في هذا كل من اختار اللهو والغناء والمزامير والمعازف على القرآن , وإن كان اللفظ قد ورد بالشراء فلفظ الشراء يذكر في الاستبدال والاختيار , وهو كثير في القرآن , قال : ويدل على هذا ما قاله قتادة في هذه الآية لعله أن لا يكون أنفق مالا , قال : وبحسب المرء من الضلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحق , قال : الواحدي : وهذه الآية على هذا التفسير , تدل على تحريم الغناء , قال : وأما غناء القينات فذلك أشد ما في الباب , وذلك لكثرة الوعيد الوارد فيه , وهو ما روي أن النبي قال : « من استمع إلى قينة صب في أذنه الآنك يوم القيامة » . والآنك الرصاص المذاب , وقد جاء تفسير لهو الحديث بالغناء مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم , ففي مسند الإمام أحمد , ومسند عبد الله بن الزبير الحميدي وجامع الترمذي من حديث أبي أمامة , والسياق للترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام » (1) , وفي مثل هذا نزلت هذه الآية : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } (2) وهذا الحديث , وإن كان مداره على عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد الألهاني عن القاسم , فعبيد الله بن زحر ثقة , والقاسم ثقة , وعلي ضعيف إلا أن للحديث شواهد ومتابعات سنذكرها إن شاء الله تعالى .
ويكفي تفسير الصحابة والتابعين للهو الحديث : بأنه الغناء , فقد صح ذلك عن ابن عباس وابن مسعود , قال : أبو الصهباء : سألت ابن مسعود عن قوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ } (3) فقال : والله الذي لا إله إلا هو , هو الغناء يرددها ثلاث مرات وصح عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أيضا أنه الغناء , قال : الحاكم أبو عبد الله في التفسير من كتاب المستدرك : ليعلم طالب هذا العلم أن تفسير الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل عند الشيخين حديث مسند , وقال في موضع آخر من كتابه : هو عندنا في حكم المرفوع , وهذا وإن كان فيه نظر فلا ريب أنه أولى بالقبول من تفسير من بعدهم , فهم أعلم الأمة بمراد الله عز وجل في كتابه , فعليهم نزل , وهم أول من خوطب به من الأمة , وقد شاهدوا تفسيره من الرسول علما وعملا وهم العرب الفصحاء على الحقيقة , فلا يعدل عن تفسيرهم ما وجد إليه سبيل , ولا تعارض بين تفسير لهو الحديث بالغناء وتفسيره بأخبار الأعاجم وملوكها وملوك الروم ونحو ذلك , مما كان النضر بن الحارث يحدث به أهل مكة , يشغلهم به عن القرآن , فكلاهما لهو الحديث . ولهذا قال ابن عباس : لهو الحديث : الباطل والغناء , فإن الصحابة من ذكر هذا , ومنهم من ذكر الآخر , ومنهم من جمعهما , والغناء أشد لهوا وأعظم ضررا من أحاديث الملوك وأخبارهم , فإنه رقية الزنا , ومنبت النفاق , وشرك الشيطان , وخمرة العقل , وصده عن القرآن أعظم من صد غيره من الكلام الباطل , لشدة ميل النفوس إليه , ورغبتها فيه .
إذا عرف هذا , فأهل الغناء ومستمعوه , لهم نصيب من هذا الذم بحسب اشتغالهم بالغناء عن القرآن وإن لم ينالوا جميعه , فإن الآيات تضمنت ذم من استبدل لهو الحديث بالقرآن؛ ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا وإذا يتلى عليه القرآن ولى مستكبرا , كأن لم يسمعه كأن في أذنيه وقرا , وهو الثقل والصمم وإذا علم منه شيئا , استهزأ به , فمجموع هذا لا يقع إلا من أعظم الناس كفرا , وإن وقع بعضه للمغنين ومستمعيهم , فلهم حصة ونصيب من هذا الذم يوضحه أنك لا تجد أحدا عني بالغناء وسماع آلاته إلا وفيه ضلال عن طريق الهدى علما وعملا وفيه رغبة عن استماع القرآن إلى استماع الغناء , بحيث إذا عرض له سماع الغناء وسماع القرآن , عدل عن هذا إلى ذاك , وثقل عليه سماع القرآن , وربما حمله الحال على أن يسكت القارئ , ويستطيل قراءته ويستزيد المغني ويستقصر نوبته , وأقل ما في هذا أن يناله نصيب وافر من هذا الذم إن لم يحظ به جميعه .
والكلام في هذا مع من في قلبه بعض حياة يحس بها , فأما من مات قلبه , وعظمت فتنته , فقد سد على نفسه طريق النصيحة { وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ } انتهى كلامه رحمه الله .
ومن الآيات الدالة على ذم الأغاني والمعازف وهي آلات الملاهي قوله تعالى : { وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا } (2) وقوله تعالى : { وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا } (3) وقد فسر الصوت والزور : بالغناء وآلات الملاهي وفسر الصوت أيضا : بكل صوت يدعو إلى باطل , وفسر الزور بكل منكر , ولا منافاة بين التفاسير , ومدلول الآيتين , يعم ذلك كله , ولا ريب أن الأغاني والملاهي من أقبح الزور , ومن أخبث أصوات الشيطان لما يترتب عليها من قسوة القلوب , وصدها عن ذكر الله وعن القرآن , بل وعن جميع الطاعات إلا من رحم الله , كما قد سلف بيان ذلك .
وأما الأحاديث الواردة في ذم الأغاني والملاهي فكثيرة , وأصحها ما رواه البخاري في صحيحه , حيث
قال : وقال هشام بن عمار : حدثنا صدقة بن خالد , حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر , حدثنا عطية بن قيس الكلابي , حدثني عبد الرحمن بن غنم الأشعري , قال : حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري , والله ما كذبني , سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف » , وهو صريح في ذم مستحلي المعازف , حيث قرنهم مع مستحلي الزنا والخمر والحرير , وحجة ظاهرة في تحريم استعمال المعازف , وهي آلات الملاهي , كالطنبور والعود , والطبل وغير ذلك من آلات الملاهي .
وقد أجمع أهل اللغة على تفسير المعازف بآلات الملاهي , وما ذاك إلا لما يترتب عليها من قسوة القلوب ومرضها , واشتغالها عن الصلاة والقرآن , وإذا انضم إليه الغناء , صار الإثم أكبر , والفساد أعظم , كما سيأتي كلام أهل العلم في ذلك , وقد تقدم لك بعضه.
وأما الحر : فيروى بالحاء المهملة والراء , وهو الفرج , والمراد به الزنا , ويروى بالخاء المعجمة والزاي , وهو نوع من الحرير , وقد أخذ علماء الإسلام بهذا الحديث , وتلقوه بالقبول , واحتجوا به على تحريم المعازف كلها , وقد أعله ابن حزم وأبو تراب بعده , تقليدا له بأنه منقطع بين البخاري رحمه الله وبين شيخه هشام بن عمار , لكونه لم يصرح بسماعه منه , وإنما علقه عنه تعليقا , وقد أخطأ ابن حزم في ذلك , وأنكر عليه أهل العلم هذا القول, وخطؤه فيه ؛ لأن هشاما من شيوخ البخاري , وقد علقه عنه جازما به , وما كان كذلك فهو صحيح عنده , وقد قبل منه أهل العلم ذلك وصححوا ما علقه جازما به إلى من علقه عنه وهذا الحديث من جملة الأحاديث المعلقة الصحيحة , ولعل البخاري لم يصرح بسماعه منه , لكونه رواه عنه بالإجازة , أو في معرض المذاكرة أو لكونه رواه عنه بواسطة بعض شيوخه الثقات، فحذفه اختصارا أو لغير ذلك من الأسباب المقتضية للحذف ، وعلى فرض
انقطاعه بين البخاري وهشام , فقد رواه عنه غيره متصلا , عن هشام بن عمار .. إلخ .. بأسانيد صحيحة , وبذلك بطلت شبهة ابن حزم ومقلده أبي تراب , واتضح الحق لطالب الحق , والله المستعان .
وإليك أيها القارئ الكريم كلام أهل العلم في هذا الحديث , وتصريحهم بخطأ ابن حزم في تضعيفه , قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري - رحمه الله - لما ذكر هذا الحديث , وذكر كلام الزركشي , وتخطئته ابن حزم في تضعيفه , قال ما نصه : ( وأما دعوى ابن حزم التي أشار إليها- يعني الزركشي - فقد سبقه إليها ابن الصلاح في علوم الحديث , فقال : التعليق في أحاديث من صحيح البخاري قطع إسنادها , وصورته صورة الانقطاع , وليس حكمه حكمه , ولا خارجا ما وجد ذلك فيه من قبيل الصحيح إلى قبيل الضعيف , ولا التفات إلى أبي محمد ابن حزم الظاهري الحافظ في رد ما أخرجه البخاري من حديث أبي عامر وأبي مالك الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف » , الحديث من جهة أن البخاري أورده قائلا : وقال هشام بن عمار , وساقه بإسناده , فزعم ابن حزم , أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام , وجعله جوابا عن الاحتجاج به على تحريم المعازف , وأخطأ في ذلك من وجوه , والحديث صحيح معروف الاتصال , بشرط الصحيح , والبخاري قد يفعل مثل ذلك , لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسندا متصلا وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب , التي لا يصحبها خلل الانقطاع ) انتهى .
ثم قال الحافظ بعدما نقل كلام ابن الصلاح المذكور بأسطر ما نصه : ( وقد تقرر عند الحفاظ أن الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها بصيغة الجزم , يكون صحيحا إلى من علق عنه , ولو لم يكن من شيوخه , لكن إذا وجد الحديث المعلق من رواية بعض الحفاظ موصولا , إلى من علق عنه بشرط الصحة , أزال الإشكال , ولهذا عنيت في ابتداء الأمر بهذا النوع , وصنفت كتاب " تغليق التعليق " وقد ذكر شيخنا في شرح الترمذي , وفي كلامه على علوم الحديث أن حديث هشام بن عمار , جاء عنه موصولا في مستخرج الإسماعيلي , قال : حدثنا الحسن بن سفيان , حدثنا هشام بن عمار , وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين , فقال : حدثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد , حدثنا هشام بن عمار , قال :وأخرجه أبو داود في سننه , فقال : حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا بشر بن بكر , حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر , بسنده ) . انتهى .
وقال :العلامة ابن القيم رحمة الله عليه في الإغاثة , لما ذكر هذا الحديث ما نصه : ( هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه محتجا به وعلقه تعليقا مجزوما به , فقال : باب فيمن يستحل الخمر , ويسميه بغير اسمه , وقال : هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد , حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر , حدثنا عطية بن قيس الكلابي حدثني عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال :حدثني أبو عامر , أو أبو مالك الأشعري - والله ما كذبني - أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة فيقولوا ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله تعالى، ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة » ولم يصنع من قدح في صحة هذا الحديث شيئا كابن حزم نصرة لمذهبه الباطل في إباحة الملاهي , وزعم أنه منقطع ؛ لأن البخاري لم يصل سنده به وجواب هذا الوهم من وجوه :
أحدها : أن البخاري قد لقي هشام بن عمار وسمع منه فإذا قال : قال هشام , فهو بمنزلة قوله عن هشام .
الثاني : أنه لو لم يسمع منه فهو لم يستجز الجزم به عنه , إلا وقد صح عنده أنه حدث به , وهذا كثيرا ما يكون لكثرة ما رواه عنه , عن ذلك الشيخ وشهرته , فالبخاري أبعد خلق الله من التدليس .
الثالث : أنه أدخله في كتابه المسمى بالصحيح محتجا به , فلولا صحته عنده لما فعل ذلك .
الرابع : أنه علقه بصيغة الجزم دون صيغة , التمريض , فإنه إذا توقف في الحديث أو لم يكن على شرطه , يقول : ويروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , ويذكر عنه , ونحو ذلك فإذا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم , قد جزم وقطع بإضافته إليه.
الخامس : أنا لو أضربنا عن هذا كله صفحا , فالحديث صحيح , متصل عند غيره , قال أبو داود في كتاب [اللباس]: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة , حدثنا بشر بن بكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر , حدثنا عطية بن قيس , قال سمعت عبد الرحمن بن غنم الأشعري , قال : حدثني أبو عامر أو أبو مالك فذكره مختصرا , ورواه أبو بكر الإسماعيلي في كتابه : [الصحيح] , مسندا , فقال أبو عامر ولم يشك ، ووجه الدلالة منه أن المعازف هي آلات اللهو كلها لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك , ولو كانت حلالا لما ذمهم على استحلالها ولما قرن استحلالها باستحلال الخمر والخز , فإن كان بالحاء والراء المهملتين فهو استحلال الفروج الحرام وإن كان بالخاء والزاي المعجمتين فهو نوع من الحرير غير الذي صح عن الصحابة رضي الله عنهم لبسه , إذ الخز نوعان : أحدهما من حرير , والثاني من صوف , وقد روى هذا الحديث ، من وجهين .
وقال : ابن ماجه في سننه , حدثنا عبد الله بن سعيد عن معاوية بن صالح عن حاتم بن حريث عن ابن أبي مريم عن عبد الرحمن بن غنم الأشعري عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يعزف على رءوسهم بالمعازف والمغنيات يخسف الله بهم الأرض ويجعل منهم قردة وخنازير » (1) وهذا إسناد صحيح , وقد توعد مستحلي المعازف فيه , بأن يخسف الله بهم الأرض ويمسخهم قردة وخنازير , وإن كان الوعيد على جميع هذه الأفعال , فلكل واحد قسط في الذم والوعيد وفي الباب عن سهل بن سعد الساعدي وعمران بن حصين , وعبد الله بن عمرو , وعبد الله بن عباس , وأبي هريرة وأبي أمامة الباهلي , وعائشة أم المؤمنين وعلي بن أبي طالب وأنس بن مالك , وعبد الرحمن بن سابط والغازي بن ربيعة .
ونحن نسوقها لتقر بها عيون أهل القرآن , وتشجي بها حلوق أهل سماع الشيطان , ثم ساقها كلها ) .
ولولا طلب الاختصار لنقلتها لك - أيها القارئ الكريم - ولكني أحيل الراغب في الاطلاع عليها على كتاب الإغاثة , حتى يرى ويسمع ما تقر به عينه ويشفى به قلبه , وهي على كثرتها وتعدد مخارجها حجة ظاهرة وبرهان قاطع على تحريم الأغاني والملاهي , والتنفير منها , تضاف إلى ما تقدم من الآيات والأحاديث الدالة على تحريم الأغاني والمعازف , ويدل الجميع على أن استعمالها والاشتغال بها من وسائل غضب الله , وحلول عقوبته والضلال والإضلال عن سبيله , نسأل الله لنا وللمسلمين العافية من ذلك , والسلامة من مضلات الفتن , إنه ولي ذلك والقادر عليه .
وأما كلام العلماء في الأغاني والمعازف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان , فهو كثير جدا وقد سبق لك بعضه , وإليك جملة من كلامهم على سبيل التكملة والتأييد لما تقدم , والله ولي التوفيق .
روى علي بن الجعد وغيره عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال : « الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع » (سنن أبو داود الأدب 4927) , وقد روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا , والمحفوظ أنه من كلام ابن مسعود رضي الله عنه .
قال :العلامة ابن القيم رحمه الله , في كتاب الإغاثة , لما ذكر هذا الأثر , ما نصه : ( فإن قيل : فما وجه إنباته للنفاق في القلب , من بين سائر المعاصي؟
قيل : هذا من أدل شيء على فقه الصحابة في أحوال القلوب وأعمالها , ومعرفتهم بأدويتها وأدوائها , وأنهم هم أطباء القلوب , دون المنحرفين عن طريقتهم , الذين داووا أمراض القلوب بأعظم أدوائها , فكانوا كالمداوي من السقم بالسم القاتل , وهكذا والله فعلوا , بكثير من الأدوية التي ركبوها أو بأكثرها , فاتفق قلة الأطباء وكثرة المرضى وحدوث أمراض مزمنة , لم تكن في السلف , والعدول عن الدواء النافع الذي ركبه الشارع , وميل المريض إلى ما يقوي مادة المرض فاشتد البلاء وتفاقم الأمر , وامتلأت الدور والطرقات والأسواق من المرضى , وقام كل جهول يطبب الناس . فاعلم أن للغناء خواص , لها تأثير في صبغ القلب بالنفاق , ونباته فيه , كنبات الزرع بالماء , فمن خواصه :
أنه يلهي القلب , ويصده عن فهم القرآن وتدبره , والعمل بما فيه , فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبدا , لما بينهما من التضاد , فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى , ويأمر بالعفة , ومجانبة شهوات النفوس , وأسباب الغي , وينهى عن اتباع خطوات الشيطان , والغناء يأمر بضد ذلك كله , ويحسنه , ويهيج النفوس إلى شهوات الغي فيثير كامنها , ويزعج قاطنها ويحركها إلى كل قبيح ويسوقها إلى وصل كل مليحة ومليح , فهو والخمر رضيعا لبان , وفي تهييجهما على القبائح فرسا رهان , فإنه صنو الخمر ورضيعه ونائبه وحليفه , وخدينه وصديقه , عقد الشيطان بينهما شريعة الوفاء التي لا تفسخ , وهو جاسوس القلب , وسارق المروءة , وسوس العقل , يتغلغل في مكامن القلب , ويطلع على سرائر الأفئدة , ويدب على محل التخيل , فيثير ما فيه من الهوى والشهوة والسخافة والرقاعة والرعونة والحماقة; فبينما ترى الرجل وعليه سمة الوقار وبهاء العقل وبهجة الإيمان ووقار الإسلام وحلاوة القرآن , فإذا استمع الغناء ومال إليه نقص عقله وقل حياؤه , وذهبت مروءته , وفارقه بهاؤه وتخلى عنه وقاره , وفرح به شيطانه , وشكا إلى الله تعالى إيمانه , وثقل عليه قرآنه , وقال : يا رب لا تجمع بيني وبين قرآن عدوك في صدر واحد .
فاستحسن ما كان قبل السماع يستقبحه , وأبدى من سره ما كان يكتمه , وانتقل من الوقار والسكينة إلى كثرة الكلام والكذب , والزهزهة والفرقعة بالأصابع , فيميل برأسه , ويهز منكبيه , ويضرب الأرض برجليه , ويدق على أم رأسه بيديه , ويثب وثبة الذباب , ويدور دوران الحمار حول الدولاب , ويصفق بيديه تصفيق النسوان , ويخور من الوجد ولا كخوار الثيران , وتارة يتأوه تأوه الحزين , وتارة يزعق زعقات المجانين ) , ولقد صدق الخبير به من أهله حيث يقول :
أتذكر ليلة وقد اجتمعنا ... على طيب السماع إلى الصباح؟
ودارت بيننا كأس الأغاني ... فأسكرت النفوس بغير راح
فلم تر فيهم إلا نشاوى ... سرورا والسرور هناك صاحي
إذا نادى أخو اللذات فيه ... أجاب اللهو : حي على السماح .
ولم نملك سوى المهجات شيئا ... أرقناها لألحاظ الملاح
وقال بعض العارفين : ( السماع يورث النفاق في قوم , والعناد في قوم , والكذب في قوم , والفجور في قوم , والرعونة في قوم ) .
وأكثر ما يورث عشق الصور , واستحسان الفواحش ، وإدمانه يثقل القرآن على القلب , ويكرهه إلى سماعه بالخاصية , وإن لم يكن هذا نفاقا , فما للنفاق حقيقة .
وسر المسألة : أنه قرآن الشيطان - كما سيأتي - فلا يجتمع هو وقرآن الرحمن في قلب أبدا ، وأيضا فإن أساس النفاق : أن يخالف الظاهر الباطن , وصاحب الغناء بين أمرين : إما أن يتهتك فيكون فاجرا , أو يظهر النسك فيكون منافقا , فإنه يظهر الرغبة في الله والدار الآخرة , وقلبه يغلي بالشهوات , ومحبة ما يكرهه الله ورسوله من أصوات المعازف وآلات اللهو , وما يدعو إليه الغناء ويهيجه , فقلبه بذلك معمور , وهو من محبة ما يحبه الله ورسوله وكراهة ما يكرهه قفر , وهذا محض النفاق .
وأيضا فإن الإيمان قول وعمل : قول بالحق , وعمل بالطاعة وهذا ينبت على الذكر وتلاوة القرآن , والنفاق قول الباطل وعمل البغي وهذا ينبت على الغناء .
وأيضا فإن علامات النفاق : قلة ذكر الله والكسل عند القيام إلى الصلاة وناقر الصلاة وقل أن تجد مفتونا بالغناء إلا وهذا وصفه .
وأيضا : فإن النفاق مؤسس على الكذب والغناء من أكذب الشعر، فإنه يحسن القبيح ويزينه ويأمر به , ويقبح الحسن ويزهد فيه وذلك عين النفاق .
وأيضا : فإن النفاق غش ومكر وخداع والغناء مؤسس على ذلك .
وأيضا : فإن المنافق يفسد من حيث يظن أنه يصلح كما أخبر الله سبحانه بذلك عن المنافقين وصاحب السماع يفسد قلبه وحاله من حيث يظن أنه يصلحه والمغني يدعو القلوب إلى فتنة الشهوات , والمنافق يدعوها إلى فتنة الشبهات ، قال الضحاك : الغناء مفسدة للقلب مسخطة للرب .
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى مؤدب ولده : ليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي التي بدؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن , فإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن صوت المعازف واستماع الأغاني واللهج بها ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشب على الماء .
فالغناء يفسد القلب وإذا فسد القلب هاج فيه النفاق .
وبالجملة فإذا تأمل البصير حال أهل الغناء وحال أهل القرآن تبين له حذق الصحابة ومعرفتهم بأدواء القلوب وأدويتها وبالله التوفيق ) .
وقال ابن القيم في موضع آخر من الإغاثة : قال الإمام أبو بكر الطرطوشي [وهو من أئمة المالكية ] في خطبة كتابه في تحريم السماع :
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين ونسأله أن يرينا الحق حقا فنتبعه والباطل باطلا فنتجنبه وقد كان الناس فيما مضى يستسر أحدهم بالمعصية إذا واقعها ثم يستغفر الله ويتوب إليه منها ثم كثر الجهل وقل العلم وتناقص الأمر حتى صار أحدهم يأتي المعصية جهارا ثم ازداد الأمر إدبارا , حتى بلغنا أن طائفة من إخواننا المسلمين وفقنا الله وإياهم استزلهم الشيطان واستغوى عقولهم في حب الأغاني واللهو وسماع الطقطقة والنقير واعتقدته من الدين الذي يقربهم إلى الله , وجاهرت به جماعة المسلمين وشاقت سبيل المؤمنين وخالفت الفقهاء وحملة الدين : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } (1) فرأيت أن أوضح الحق وأكشف عن شبه أهل الباطل بالحجج التي تضمنها كتاب الله وسنة رسوله , وأبدأ بذكر أقاويل العلماء الذين تدور الفتيا عليهم في أقاصي الأرض ودانيها حتى تعلم هذه الطائفة أنها قد خالفت علماء المسلمين في بدعتها والله ولي التوفيق .
ثم قال : أما مالك فإنه ينهى عن الغناء وعن استماعه وقال : إذا اشترى جارية فوجدها مغنية كان له أن يردها بالعيب , وسئل مالك رحمه الله عما رخص فيه أهل المدينة من الغناء فقال : إنما يفعله عندنا الفساق , قال :
وأما أبو حنيفة فإنه يكره الغناء ويجعله من الذنوب، وكذلك مذهب أهل الكوفة سفيان وحماد وإبراهيم والشعبي وغيرهم لا اختلاف بينهم في ذلك ولا نعلم خلافا أيضا بين أهل البصرة في المنع منه ) انتهى كلام الطرطوشي .
قلت مراده بالطائفة التي أحبت الغناء واعتقدته من الدين الذي يقربهم إلى الله جماعة من الصوفية أحدثوا بدعة سماع الغناء وزعموا أنه ينشطهم على العبادة والتقرب إلى الله بأنواع القربات , فأنكر علماء زمانهم عليهم ذلك وصاحوا بهم من كل جانب , وأجمع علماء الحق على أن ما أحدثته هذه الطائفة بدعة منكرة . وألف الطرطوشي كتابه المشار إليه في الرد عليهم وبيان بطلان مذهبهم .
ومن هنا يعلم القارئ أن المفتونين بسماع الغناء والملاهي طائفتان :
الطائفة الأولى : اتخذته دينا وعبادة وهم شر الطائفتين وأشدهما إثما وخطرا؛ لكونهم ابتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله وجعلوا الغناء والملاهي اللذين هما أداة الفسق والعصيان دينا يتقربون به إلى الملك الديان .
الطائفة الثانية : اتخذوا الغناء والملاهي لهوا ولعبا وترويحا عن النفوس وتسليا بذلك عن مشاغل الدنيا وأتعابها وهم مخطئون في ذلك وعلى خطر عظيم من الضلال والإضلال , ولكنهم أخف من الطائفة الأولى لكونهم لم يتخذوا ذلك دينا وعبادة وإنما اتخذوه لهوا ولعبا وتجميما للنفوس , وقد صرح أهل العلم بتحريم هذا وهذا وإنكار هذا وهذا , ثم قال :العلامة ابن القيم رحمة الله عليه بعد ما نقل كلام الطرطوشي المتقدم ما نصه : قلت مذهب أبي حنيفة في ذلك من أشد المذاهب وقوله فيه أغلظ الأقوال وقد صرح أصحابه بتحريم سماع الملاهي كلها كالمزمار والدف حتى الضرب بالقضيب , وصرحوا بأنه معصية توجب الفسق وترد به الشهادة وأبلغ من ذلك أنهم قالوا : أن السماع فسق والتلذذ به كفر , هذا لفظهم , ورووا في ذلك حديثا لا يصح رفعه قالوا : ويجب عليه أن يجتهد في أن لا يسمعه إذا مر به أو كان في جواره .
وقال أبو يوسف في دار يسمع منها صوت المعازف والملاهي : أدخل عليهم بغير إذنهم لأن النهي عن المنكر فرض , فلو لم يجز الدخول بغير إذن لامتنع الناس من إقامة الفرض , قالوا ويتقدم إليه الإمام إذا سمع ذلك من داره فإن أصر حبسه أو ضربه سياطا , ومن شاء أزعجه عن داره .
وأما الشافعي فقال :في كتاب أدب القضاء : إن الغناء لهو مكروه يشبه الباطل والمحال ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته . وصرح أصحابه العارفون بمذهبه بتحريمه وأنكروا على من نسب إليه حله كالقاضي أبي الطيب الطبري والشيخ أبي إسحاق وابن الصباغ .
قال :الشيخ أبو إسحاق في التنبيه ولا تصح يعني الإجارة على منفعة محرمة كالغناء والزمر وحمل الخمر ولم يذكر فيه خلافا , وقال في المهذب : ولا يجوز على المنافع المحرمة كالغناء؛ لأنه محرم فلا يجوز أخذ العوض عنه كالميتة والدم .
فقد تضمن كلام الشيخ أمورا.
أحدها : أن منفعة الغناء بمجرده منفعة محرمة .
الثاني : أن الاستئجار عليها باطل .
الثالث : أن أكل المال به أكل مال بالباطل بمنزلة أكله عوضا عن الميتة والدم .
الرابع : أنه لا يجوز لرجل بذل ماله للمغني ويحرم عليه ذلك فإنه بذل ماله في مقابلة محرم وأن بذله في ذلك كبذله في مقابلة الدم والميتة .
الخامس : أن الزمر حرام ، وإذا كان الزمر الذي هو أخف آلات اللهو حراما فكيف بما هو أشد منه كالرد والطنبور واليراع , ولا ينبغي لمن شم رائحة العلم أن يتوقف في تحريم ذلك فأقل ما فيه أنه من شعار العشاق وشاربي الخمور .
وكذلك فال أبو زكريا النووي في روضته :
القسم الثاني : أن يغني ببعض آلات الغناء بما هو من شعار شاربي الخمر وهو مطرب كالطنبور والعود والصنج وسائر المعازف والأوتار يحرم استعماله واستماعه قال : وفي اليراع وجهان صحح البغوي التحريم ثم ذكر عن الغزالي الجواز قال :والصحيح تحريم اليراع : وهو الشبابة , وقد صنف أبو القاسم الدولعي كتابا في تحريم اليراع .
وقد حكى أبو عمرو بن الصلاح الإجماع على تحريم السماع الذي جمع الدف والشبابة والغناء فقال في فتاويه : ( وأما إباحة هذا السماع وتحليله فليعلم أن الدف والشبابة والغناء إذا اجتمعت فاستماع ذلك حرام عند أئمة المذاهب وغيرهم من علماء المسلمين , ولم يثبت عن أحد ممن يعتبر بقوله في الإجماع والاختلاف أنه أباح هذا السماع والخلاف المنقول عن بعض أصحاب الشافعي إنما نقل في الشبابة منفردة والدف منفردا، فمن لا يحصل أو لا يتأمل ربما اعتقد اختلافا بين الشافعيين في هذا السماع الجامع بهذه الملاهي , وذلك وهم بين من الصائر إليه تنادي عليه أدلة الشرع والعقل مع أنه ليس كل خلاف يستروح إليه ويعتمد عليه , ومن تتبع ما اختلف فيه العلماء وأخذ بالرخص من أقاويلهم تزندق أو كاد , قال : وقولهم في السماع المذكور أنه من القربات والطاعات قول مخالف لإجماع المسلمين ومن خالف إجماعهم فعليه ما في قوله تعالى : { وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } (1) وأطال الكلام في الرد على هاتين الطائفتين اللتين بلاء المسلمين منهما , المحللون لما حرم الله والمتقربون إلى الله بما يباعدهم عنه والشافعي وقدماء أصحابه والعارفون بمذهبه من أغلظ الناس قولا في ذلك وقد تواتر عن الشافعي أنه قال : خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه التغبير يصدون به الناس عن القرآن . فإذا كان هذا قوله في التغبير وتعليله أنه يصد عن القرآن وهو شعر يزهد في الدنيا يغني به مغن فيضرب بعض الحاضرين بقضيب على نطع أو مخدة على توقيع غنائه , فليت شعري ما يقول : في من سماع التغبير عنده كتفلة في بحر , قد اشتمل على كل مفسدة وجمع كل محرم , فالله بين دينه وبين كل متعلم مفتون وعابد جاهل .
قال : سفيان بن عيينة : ( كان يقال : احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون ومن تأمل الفساد الداخل على الأمة وجده من هذين المفتونين ).
وأما مذهب الإمام أحمد فقال عبد الله ابنه : سألت أبي عن الغناء قال :
( الغناء ينبت النفاق في القلب لا يعجبني ) ثم ذكر قول مالك : ( إنما يفعله عندنا الفساق ) قال عبد الله : وسمعت أبي يقول : سمعت يحيى القطان يقول : ( لو أن رجلا عمل بكل رخصة : بقول أهل الكوفة في النبيذ وأهل المدينة في السماع وأهل مكة في المتعة لكان فاسقا ) .
قال أحمد : وقال سليمان التيمي : ( لو أخذت برخصة كل عالم أو زلة كل عالم اجتمع فيك الشر كله ) ونص على كسر آلات اللهو كالطنبور وغيره إذا رآها مكشوفة وأمكنه كسرها , وعنه في كسرها إذا كانت مغطاة تحت ثيابه وعلم بها روايتان منصوصتان , ونص في أيتام ورثوا جارية مغنية وأرادوا بيعها فقال :لا تباع إلا على أنها ساذجة ) فقالوا : إذا بيعت مغنية ساوت عشرين ألفا أو نحوها وإذا بيعت ساذجة لا تساوي ألفين فقال : ( لا تباع إلا على أنها ساذجة ولو كانت منفعة الغناء مباحة لما فوت هذا المال على الأيتام ) وأما سماعه من المرأة الأجنبية أو الأمرد فمن أعظم المحرمات وأشدها فساد للدين .
قال : الشافعي رحمه الله : ( وصاحب الجارية إذا جمع الناس لسماعها فهو سفيه ترد شهادته ) وأغلظ القول فيه وقال : ( هو دياثة فمن فعل ذلك كان ديوثا ) .
قال القاضي أبو الطيب : ( وإنما جعل صاحبها سفيها لأنه دعا الناس إلى الباطل ومن دعا الناس إلى الباطل كان سفيها فاسقا ) . قال وكان الشافعي يكره التغبير وهو الطقطقة بالقضيب ويقول : ( وضعته الزنادقة ليشغلوا به عن القرآن ) قال : ( وأما العود والطنبور وسائر الملاهي فحرام ومستمعه فاسق واتباع الجماعة أولى من اتباع رجلين مطعون عليهما ) قلت : يريد بهما إبراهيم بن سعد وعبيد الله بن الحسن فإنه قال : ( وما خالف في الغناء إلا رجلان إبراهيم بن سعد فإن الساجي حكى عنه أنه كان لا يرى به بأسا والثاني عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة وهو مطعون فيه ) انتهى كلام ابن القيم رحمه الله .
ونقل القرطبي في تفسيره عن الطبري ما نصه : ( فقد أجمع علماء الأمصار على كراهة الغناء والمنع منه , وإنما فارق الجماعة إبراهيم بن سعد وعبيد الله العنبري، انتهى قلت وإبراهيم بن سعد وعبيد الله بن الحسن العنبري من ثقات أتباع التابعين ولعل ما نقل عنهما من سماع الغناء إنما هو في الشيء القليل الذي يزهد في الدنيا ويرغب في الآخرة ولا يجوز حملهما على سماع الغناء المحرم , وهكذا ما يروى عن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من سماع الغناء وشراء الجواري المغنيات يجب أن يحمل على الشيء اليسير الذي لا يصد عن الحق ولا يوقع في الباطل مع أن ابن عمر والحسن البصري قد أنكرا عليه ذلك .
ومعلوم عند أهل العلم والإيمان أن الحق أولى بالاتباع , وأنه لا يجوز مخالفة الجماعة والأخذ بالأقوال الشاذة من غير برهان , بل يجب حمل أهلها على أحسن المحامل مهما وجد إلى ذلك من سبيل , إذا كانوا أهلا لإحسان الظن بهم لما عرف من تقواهم وإيمانهم .
وسبق لك أيها القارئ قول سليمان التيمي : ( لو أخذت برخصة كل عالم أو زلة كل عالم اجتمع فيك الشر كله ) .
وذكر القرطبي في تفسيره ما نصه ( قال أبو الفرج : وقال :القفال من أصحابنا : لا تقبل شهادة المغني والرقاص , قلت : وإذ قد ثبت أن هذا الأمر لا يجوز فأخذ الأجرة لا يجوز , وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على تحريم الأجرة على ذلك ) انتهى ما نقله القرطبي .
وهذا آخر ما تيسر إملاؤه في هذه المسألة - أعني مسألة الأغاني والمعازف - ولو ذهبنا نتتبع ما جاء في ذلك من الأحاديث والآثار وكلام أهل العلم لطال بنا الكلام وفيما تقدم كفاية ومقنع لطالب الحق .
وأما صاحب الهوى فلا حيلة فيه ونسأل الله لنا ولسائر المسلمين التوفيق لما يرضيه والسلامة من أسباب غضبه وموجبات نقمه , ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ونصيحتي لأبي تراب وغيره من المشغوفين بالغناء والمعازف أن يراقبوا الله ويتوبوا إليه وأن ينيبوا إلى الحق ؛ لأن الرجوع إلى الحق فضيلة والتمادي في الباطل رذيلة , ولولا طلب الاختصار لنبهنا على جميع ما وقع في مقال أبي تراب من الأخطاء وصاحب البصيرة يعرف ذلك مما تقدم , والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله , وحسبنا الله ونعم الوكيل , وصلى الله على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم .
(نشر في مجلة راية الإسلام - العددان 2 - 3 السنة الثانية محرم وصفر سنة 1381 هـ ص 70 - 75 ، والرابع والخامس ، ربيع الأول والثاني 1381 هـ ص 11 ، ص 23).

الثلاثاء، ٣ أغسطس ٢٠١٠

كتاب كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس [مصورا pdf]

كتاب كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس [مصورا pdf]
تأليف العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله (1193هـ - 1285هـ)
تحقيق : عبد العزيز بن عبد الله الزير آل حمد
الطبعة الأولى 1415هـ
دار العاصمة للنشر والتوزيع - الرياض - المملكة العربية السعودية
لتحميل الكتاب :
اضغط هنا

تحقيق النقل عن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في مسألة العذر بالجهل

بسم الله الرحمن الرحيم
قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب في معرض حديثه عمن فهم كلام شيخ الإسلام خاطئا في مسألة قيام الحجة : "فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة، وبين فهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم، كما قال تعالى : (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا) (مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب 3/159-160)
وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب موافقا لمذهب ابن تيمية في مسألة تكفير المعين والتفريق فيها بين المسائل الظاهرة والخفية:"إن الشخص المعين إذا قال ما يوجب الكفر، فإنه لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها، وهذا في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض الناس وأما ما يقع منهم في المسائل الظاهرة الجلية، أوما يعلم من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله". (الدرر السنية8/244)
سئل الشيح محمد بن عبد الوهاب في من مات قبل الدعوة ولم يدرك الإسلام فأجاب:" من مات قبل بلوغ هذه الدعوة، فالذي يحكم عليه أنه إذا كان معروفا بفعل الشرك، ويدين به ومات على ذلك، فهذا ظاهره أنه مات على الكفر، ولا يدعى له، ولا يضحى له، ولا يتصدق عنه" (الدرر السنية 1/142)
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب:" من كان من أهل الجاهلية عاملا بالإسلام تاركا للشرك فهو مسلم، وأما من كان يعبد الأوثان ومات على ذلك قبل ظهور هذا الدين فهذا ظاهره الكفر، وإن كان يحتمل أنه لم تقم عليه الحجة الرسالية بجهله، وعدم من ينبهه لأنا نحكم على الظاهر، وأما الحكم على الباطن فذلك إلى الله" (الدرر السنية 10/33)
المصدر : من مقال للشيخ عبد الرحمن بن صالح الحجي

حمل رسالة تحريم حلق اللحى للشيخ عبدالرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي الحنبلي [مصورا pdf]

حمل رسالة تحريم حلق اللحى للشيخ عبدالرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي الحنبلي [مصورا pdf]




رسالة تحريم حلق اللحى للشيخ عبدالرحمن بن محمد بن قاسم العاصمي الحنبلي المتوفى سنة 1392 هـ رحمه الله تعالى

للتحميل :
اضغط هنا

الاثنين، ٢ أغسطس ٢٠١٠

رسالة في الرد على ابن عربي في دعواه إيمان فرعون لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله

رِسَالَة فِي الرَّد على ابْن عَرَبِيّ(ت638) فِي دَعْوَى إِيمَان فِرْعَوْن

هَذَا سُؤال أجَاب عَنهُ الشَّيْخ الإِمَام الْعَلامَة الأوحد، شيخ الْإِسْلَام، تَقِيّ الدَّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عبد الْحَلِيم بن عبد السَّلَام بن عبد الله بن أبي الْقَاسِم بن مُحَمَّد بن تَيْمِية الْحَرَّانِي (المتوفى سنة728هـ) رحمه الله تعالى.
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وَبِه التَّوْفِيق
الْحَمد لله رب الْعَالمين، وَصلى الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَسلم.
نَص السُّؤَال:
مَا تَقول السَّادة الْعلمَاء رَضِي الله عَنْهُم فِي قَول فِرْعَوْن عِنْد الْغَرق: {آمَنت أَنه لَا إِلَه إِلَّا الَّذِي آمَنت بِهِ بَنو إِسْرَائِيل وَأَنا من الْمُسلمين} [سُورَة يُونُس: 90] هَل فِيهِ دَلِيل على إيمَانه وإسلامه؟ أَو هَل يُوجد فِي الْقُرْآن أَو السّنة أَو الْقيَاس دَلِيل على إيمَانه أَو إِسْلَامه؟ وَمَا يجب على من يَقُول: إِنَّه مَاتَ مُؤمنا، وَالْحَالة هَذِه؟
{الْجَواب}
الْحَمد لله.
فِرْعَوْن من أعظم الْخلق كفرا:
كفر فِرْعَوْن، وَمَوته كَافِرًا، وَكَونه من أهل النَّار هُوَ مِمَّا علم بالاضطرار من دين الْمُسلمين، بل وَمن دين الْيَهُود وَالنَّصَارَى، فَإِن أهل الْملَل الثَّلَاثَة متفقون على أَنه من أعظم الْخلق كفرا، وَلِهَذَا لم يذكر الله تَعَالَى فِي الْقُرْآن قصَّة كَافِر كَمَا ذكر قصَّته فِي بسطها وتثنيتها، وَلَا ذكر عَن كَافِر من الْكفْر أعظم مِمَّا ذكر من كفره واجترائه وَكَونه أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة.
وَلِهَذَا كَانَ الْمُسلمُونَ متفقين على أَن من توقف فِي كفره وَكَونه من أهل النَّار فَإِنَّهُ يجب أَن يُسْتَتَاب، فَإِن تَابَ وَإِلَّا قتل كَافِرًا مُرْتَدا، فضلا عَمَّن يَقُول إِنَّه مَاتَ مُؤمنا.
لَا يُصَرح بِمَوْتِهِ مُؤمنا إِلَّا من فِيهِ نفاق وزندقة كالاتحادية:
وَالشَّكّ فِي كفره أَو نَفْيه أعظم مِنْهُ فِي كفر أبي لَهب وَنَحْوه، وَأعظم من ذَلِك فِي أبي جهل وَعقبَة بن أبي معيط وَالنضْر بن الْحَارِث وَنَحْوهم مِمَّن تَوَاتر كفرهم وَلم يذكر باسمه فِي الْقُرْآن، وَإِنَّمَا ذكر مَا ذكر من أَعْمَالهم، وَلِهَذَا لم يظْهر عَن أحد بالتصريح بِأَنَّهُ مَاتَ مُؤمنا إِلَّا عَمَّن فِيهِ من النِّفَاق والزندقة أَو التَّقْلِيد للزنادقة وَالْمُنَافِقِينَ مَا هُوَ أعظم من ذَلِك، كالإتحادية الَّذين يَقُولُونَ: إِن وجود الْخَالِق هُوَ وجود الْخلق، حَتَّى يصرحون بِأَن يَغُوث ويعوق ونسرا وَغَيرهَا من الْأَصْنَام هِيَ وجودهَا وجود الله، وَأَنَّهَا عبدت بِحَق، وَكَذَلِكَ الْعجل عبد بِحَق، وَأَن مُوسَى أنكر على هَارُون من نَهْيه عَن عبَادَة الْعجل، وَأَن فِرْعَوْن كَانَ صَادِقا فِي قَوْله: أَنا ربكُم الْأَعْلَى، وَأَنه عين الْحق، وَأَن العَبْد إِذا دَعَا الله تَعَالَى فعين الدَّاعِي عين الْمُجيب، وَأَن الْعَالم هويته، لَيْسَ وَرَاء الْعَالم وجود أصلا.
وَمَعْلُوم أَن هَذَا بِعَيْنِه هُوَ حَقِيقَة قَول فِرْعَوْن الَّذِي قَالَ: {يَا هامان ابْن لي صرحا لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب * أَسبَاب السَّمَوَات فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا} [سُورَة غَافِر: 35] -36].
وَلَقَد خاطبت بعض الْفُضَلَاء مرّة بِحَقِيقَة مَذْهَبهم، وَأَنه حَقِيقَة قَول فِرْعَوْن فَذكر لي رَئِيس من رُؤَسَائِهِمْ أَنه لما دَعَاهُ إِلَى هَذَا القَوْل وَبَينه قَالَ: قلت لَهُ: هَذَا قَول فِرْعَوْن. فَقَالَ لَهُ: وَنحن على قَول فِرْعَوْن؛ وَمَا كنت أَظن أَنهم يقرونَ أَو يعترفون بِأَنَّهُم على قَول فِرْعَوْن. قَالَ: إِنَّمَا قلت ذَلِك اسْتِدْلَالا، فَلَمَّا قَالَ ذَلِك، قلت لَهُ: مَعَ إِقْرَار الْخصم لَا يحْتَاج إِلَى بَيِّنَة.
تَفْضِيل الاتحادية الْوَلِيّ على النَّبِي وَالرَّسُول:
وهم مَعَ هَذَا الْكفْر والتعطيل الَّذِي هُوَ شَرّ من قَول الْيَهُود وَالنَّصَارَى، يدعونَ أَن هَذَا الْعلم لَيْسَ إِلَّا لخاتم الرُّسُل وَخَاتم الْأَوْلِيَاء الَّذِي يَدعُونَهُ، وَأَن خَاتم الْأَنْبِيَاء إِنَّمَا يرى هَذَا الْعلم من مشكاة خَاتم الْأَوْلِيَاء، وَأَن خَاتم الْأَوْلِيَاء يَأْخُذ من الْمَعْدن الَّذِي يَأْخُذ مِنْهُ الْملك الَّذِي يُوحى بِهِ إِلَى خَاتم الْأَنْبِيَاء، وَهُوَ فِي الشَّرْع مَعَ مُوَافَقَته لَهُ فِي الظَّاهِر مشكاة لَهُ فِي الْبَاطِن، وَلَا يحْتَاج أَن يكون مُتبعا للرسول لَا فِي الظَّاهِر وَلَا فِي الْبَاطِن.
وَهَذَا -مَعَ أَنه من أقبح الْكفْر وأخبثه- فَهُوَ من أفسد الْأَشْيَاء فِي الْعقل، كَمَا يُقَال لمن قَالَ: "فَخر عَلَيْهِم السّقف من تَحْتهم": لَا عقل وَلَا قُرْآن؛ لِأَن الخرور لَا يكون من أَسْفَل، وَكَذَلِكَ الاستفادة، إِنَّمَا يَسْتَفِيد الْمُتَأَخر من الْمُتَقَدّم.
ثمَّ خَاتم الْأَوْلِيَاء الَّذين يَدعُونَهُمْ، ضلالهم فِيهِ من وُجُوه، حَيْثُ ظنُّوا أَن للأولياء خَاتمًا، وَأَن يكون أفضلهم قِيَاسا على خَاتم الْأَنْبِيَاء، وَلم يعلمُوا أَن أفضل الْأَوْلِيَاء من هَذِه الْأمة أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي، وهم السالفون من الْأَوْلِيَاء لَا الْآخرُونَ، إِذْ فضل الْأَوْلِيَاء على قدر اتباعهم للأنبياء واستفادتهم مِنْهُم علما وَعَملا.
وَهَؤُلَاء الْمَلَاحِدَة يدعونَ أَن الْوَلِيّ يَأْخُذ من الله بِلَا وَاسِطَة، وَالنَّبِيّ يَأْخُذ بِوَاسِطَة، وَهَذَا جهل مِنْهُم، فَإِن الْوَلِيّ عَلَيْهِ أَن يتبع النَّبِي، ويعرض كل مَا لَهُ من محادثة وإلهام على مَا جَاءَ بِهِ النَّبِي، فَإِن وَافقه وَإِلَّا رده، إِذْ لَيْسَ هُوَ بمعصوم فِيمَا يقْضِي لَهُ.
وَقد يلبسُونَ على بعض النَّاس بدعواهم أَن ولَايَة النَّبِي أفضل من نبوته، وَهَذَا مَعَ أَنه ضلال فَلَيْسَ هُوَ مقصودهم، فهم مَعَ ضلالهم فِيمَا ظنوه من خَاتم الْأَوْلِيَاء ومرتبته يَخْتَلِفُونَ فِي عينه بِحَسب الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس، لتنازعهم فِي تعْيين القطب الْفَرد الْغَوْث الْجَامِع، وَنَحْو ذَلِك من الْمَرَاتِب الَّتِي يدعونها، وَهِي مَعْلُومَة الْبطلَان بِالشَّرْعِ وَالْعقل. ثمَّ يتنازعون فِي عين الْمَوْصُوف بهَا، وَهَذَا بَاب وَاسع.
وَالْمَقْصُود هُنَا أَن هَؤُلَاءِ الاتحادية من أَتبَاع صَاحب "فصوص الحكم" وَصَاحب "الفتوحات المكية" وَنَحْوهم، هم الَّذين يعظمون فِرْعَوْن، وَيدعونَ أَنه مَاتَ مُؤمنا، وَأَن تغريقه كَانَ بِمَنْزِلَة غسل الْكَافِر إِذا أسلم، وَيَقُولُونَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآن مَا يدل على كفره، ويحتجون على إيمَانه بقوله: {حَتَّى إِذا أدْركهُ الْغَرق قَالَ آمَنت أَنه لَا إِلَه إِلَّا الَّذِي آمَنت بِهِ بَنو إِسْرَائِيل وَأَنا من الْمُسلمين} [سُورَة يُونُس: 90].
بطلَان حجتهم على إِيمَان فِرْعَوْن:
وَتَمام الْقِصَّة تبين ضلالهم، فَإِنَّهُ قَالَ سُبْحَانَهُ: {آلآن وَقد عصيت قبل وَكنت من المفسدين} [سُورَة يُونُس: 91]، وَهَذَا اسْتِفْهَام إِنْكَار وذم، وَلَو كَانَ إيمَانه صَحِيحا مَقْبُولًا لما قيل لَهُ ذَلِك.
وَقد قَالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام: {رَبنَا إِنَّك آتيت فِرْعَوْن وملأه زِينَة وأموالا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا رَبنَا ليضلوا عَن سَبِيلك رَبنَا اطْمِسْ على أَمْوَالهم وَاشْدُدْ على قُلُوبهم فَلَا يُؤمنُوا حَتَّى يرَوا الْعَذَاب الْأَلِيم} [سُورَة يُونُس: 88]. قَالَ الله تَعَالَى: {قد أجيبت دعوتكما} [سُورَة يُونُس: 89]، فَاسْتَجَاب الله دَعْوَة مُوسَى وَهَارُون، فَإِن مُوسَى كَانَ يَدْعُو وَهَارُون يؤمّن أَن فِرْعَوْن وملأه لَا يُؤمنُونَ حَتَّى يرَوا الْعَذَاب الْأَلِيم.
وَقد قَالَ تَعَالَى: {أفلم يَسِيرُوا فِي الأَرْض فينظروا كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الَّذين من قبلهم كَانُوا أَكثر مِنْهُم وَأَشد قُوَّة وآثارا فِي الأَرْض فَمَا أغْنى عَنْهُم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْهُم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ فرحوا بِمَا عِنْدهم من الْعلم وحاق بهم مَا كَانُوا بِهِ يستهزئون * فَلَمَّا رَأَوْا بأسنا قَالُوا آمنا بِاللَّه وَحده وكفرنا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكين * فَلم يَك يَنْفَعهُمْ إِيمَانهم لما رَأَوْا بأسنا سنة الله الَّتِي قد خلت فِي عباده وخسر هُنَالك الْكَافِرُونَ} [سُورَة غَافِر: 82] - 85]، فَأخْبر سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَن الْكفَّار لم يَك يَنْفَعهُمْ إِيمَانهم حِين رَأَوْا الْبَأْس، وَأخْبر أَن هَذِه سنته الَّتِي قد خلت فِي عباده، ليبين أَن هَذِه عَادَته سُبْحَانَهُ فِي الْمُسْتَقْدِمِينَ والمستأخرين، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَلَيْسَت التَّوْبَة للَّذين يعْملُونَ السَّيِّئَات حَتَّى إِذا حضر أحدهم الْمَوْت قَالَ إِنِّي تبت الْآن وَلَا الَّذين يموتون وهم كفار} [سُورَة النِّسَاء: 18].
ثمَّ إِنَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ بعد قَوْله: {آلآن وَقد عصيت قبل وَكنت من المفسدين * فاليوم ننجيك ببدنك لتَكون لمن خَلفك آيَة} [سُورَة يُونُس: 91] - 92]، فَجعله الله تَعَالَى عِبْرَة وعلامة لمن يكون بعده من الْأُمَم لينظروا عَاقِبَة من كفر بِاللَّه تَعَالَى، وَلِهَذَا ذكر الله تَعَالَى الِاعْتِبَار بِقصَّة فِرْعَوْن وَقَومه فِي غير مَوضِع.
وَقد قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {كذبت قبلهم قوم نوح وَأَصْحَاب الرس وَثَمُود * وَعَاد وَفرْعَوْن وإخوان لوط * وَأَصْحَاب الأيكة وَقوم تبع كل كذب الرُّسُل فَحق وَعِيد} [سُورَة ق: 12] - 14]، فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَن كل وَاحِد من هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورين، فِرْعَوْن وَغَيره، كذب الرُّسُل كلهم، إِذْ لم يُؤمنُوا بِبَعْض ويكفروا بِبَعْض كاليهود وَالنَّصَارَى، بل كذبُوا الْجَمِيع، وَهَذَا أعظم أَنْوَاع الْكفْر، فَكل من كذب رَسُولا فقد كفر، وَمن لم يصدقهُ وَلم يكذبهُ فقد كفر؛ فَكل مكذب للرسول كَافِر بِهِ، وَلَيْسَ كل كَافِر مُكَذبا بِهِ، إِذْ قد يكون شاكا فِي رسَالَته، أَو عَالما بصدقه لكنه يحملهُ الْحَسَد أَو الْكبر على أَلا يصدقهُ، وَقد يكون مشتغلا بهواه عَن اسْتِمَاع رسَالَته والإصغاء إِلَيْهِ؛ فَمن وصف بالْكفْر الْخَاص الأشد، كَيفَ لَا يدْخل فِي الْكفْر؟!
وَلَكِن ضلالهم فِي هَذَا نَظِير ضلالهم فِي قَوْله:
مقَام النُّبُوَّة فِي برزخ ... فويق الرَّسُول وَدون الْوَلِيّ
وَقد علم أَن كل رَسُول نَبِي، وكل نَبِي ولي، وَلَا ينعكس.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {كذبت قبلهم قوم نوح وَعَاد وَفرْعَوْن ذُو الْأَوْتَاد * وَثَمُود وَقوم لوط وَأَصْحَاب الأيكة أُولَئِكَ الْأَحْزَاب * إِن كل إِلَّا كذب الرُّسُل فَحق عِقَاب} [سُورَة ص: 12] - 14]. وَقَالَ تَعَالَى: {وَجَاء فِرْعَوْن وَمن قبله والمؤتفكات بالخاطئة * فعصوا رَسُول رَبهم فَأَخذهُم أَخْذَة رابية} [سُورَة الحاقة: 9] - 10].
ثمَّ إِن الله تَعَالَى أخبر عَن فِرْعَوْن بأعظم أَنْوَاع الْكفْر: من جحود الْخَالِق، ودعواه الإلهية، وَتَكْذيب من يقر بالخالق سُبْحَانَهُ، وَمن تَكْذِيب الرَّسُول وَوَصفه بالجنون وَالسحر وَغير ذَلِك. وَمن الْمَعْلُوم بالاضطرار أَن الْكفَّار الْعَرَب الَّذين قَاتلهم النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم -مثل أبي جهل وَذريته- لم يَكُونُوا يجحدون الصَّانِع، وَلَا يدعونَ لأَنْفُسِهِمْ الإلهية، بل كَانُوا يشركُونَ بِاللَّه ويكذبون رَسُوله.
وَفرْعَوْن كَانَ أعظم كفرا من هَؤُلَاءِ؛ قَالَ الله تَعَالَى: {وَلَقَد أرسلنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وسلطان مُبين * إِلَى فِرْعَوْن وهامان وَقَارُون فَقَالُوا سَاحر كَذَّاب * فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْحَقِّ من عندنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبنَاء الَّذين آمنُوا مَعَه واستحيوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كيد الْكَافرين إِلَّا فِي ضلال * وَقَالَ فِرْعَوْن ذروني أقتل مُوسَى وليدع ربه إِنِّي أَخَاف أَن يُبدل دينكُمْ أَو أَن يظْهر فِي الأَرْض الْفساد * وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عذت بربي وربكم من كل متكبر لَا يُؤمن بِيَوْم الْحساب * وَقَالَ رجل مُؤمن من آل فِرْعَوْن يكتم إيمَانه أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله وَقد جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ من ربكُم} [سُورَة غَافِر: 23] -28]، إِلَى قَوْله: {وَقَالَ فِرْعَوْن يَا هامان ابْن لي صرحا لعَلي أبلغ الْأَسْبَاب * أَسبَاب السَّمَوَات فَأطلع إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأظنه كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زين لفرعون سوء عمله وَصد عَن السَّبِيل وَمَا كيد فِرْعَوْن إِلَّا فِي تباب} [سُورَة غَافِر: 36] - 37].
أخبر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَن فِرْعَوْن وَمن ذكر مَعَه قَالَ إِن مُوسَى سَاحر كَذَّاب، وَهَذَا من أعظم أَنْوَاع الْكفْر.
ثمَّ أخبر الله أَنه أَمر بقتل أَوْلَاد الَّذين آمنُوا مَعَه لينفروا عَن الْإِيمَان مَعَه كيدا لمُوسَى. قَالَ تَعَالَى: {وَمَا كيد الْكَافرين إِلَّا فِي تباب} [سُورَة غَافِر: 37]، فَدلَّ على أَنهم من الْكَافرين الَّذين كيدهم فِي تباب، فوصفهم بالتكذيب وبالكفر جَمِيعًا، وَإِن كَانَ التَّكْذِيب مُشْتَمِلًا مستلزما للكفر، كَمَا أَن الرسَالَة مستلزمة للنبوة، والنبوة مستلزمة للولاية.
ثمَّ أخبر عَن فِرْعَوْن أَنه طلب قتل مُوسَى وَقَالَ: {وليدع ربه}، وَهَذَا تَنْبِيه على أَنه لم يكن مقرا بربه، وَلِهَذَا قَالَ فِي تَمام الْكَلَام: {مَا علمت لكم من إِلَه غَيْرِي} [سُورَة الْقَصَص: 38]، وَهَذَا جحد صَرِيح لإله الْعَالمين، وَهِي الْكَلِمَة الأولى.
ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك لما ذكره الله تَعَالَى بقوله: {فكذب وَعصى * ثمَّ أدبر يسْعَى * فحشر فَنَادَى * فَقَالَ أَنا ربكُم الْأَعْلَى} [سُورَة النازعات: 21] - 24]، قَالَ الله تَعَالَى: {فَأَخذه الله نكال الْآخِرَة وَالْأولَى * إِن فِي ذَلِك لعبرة لمن يخْشَى} [سُورَة النازعات: 25] - 26]. قَالَ كثير من الْعلمَاء: أَي نكال الْكَلِمَة الْآخِرَة، ونكال الْكَلِمَة الأولى، فنكل الله تَعَالَى بِهِ على الْكَلِمَتَيْنِ باعترافه، وَجعل ذَلِك عِبْرَة لمن يخْشَى. وَلَو كَانَ هَذَا مِمَّن لم يُعَاقب على مَا تقدم من كفره، وَلم يكن عِقَابه عِبْرَة، بل من آمن غفر الله لَهُ مَا سلف، وَلم يذكرهُ بِكفْر وَلَا بذم أصلا، بل يمدحه على إيمَانه، ويثني عَلَيْهِ كَمَا أثنى على من آمن بالرسل، وَأخْبر أَنه نجاهم.
وَفرْعَوْن هُوَ أَكثر الْكفَّار ذكرا فِي الْقُرْآن، وَهُوَ لَا يذكرهُ سُبْحَانَهُ إِلَّا بالذم والتقبيح واللعن، وَلم يذكرهُ بِخَير قطّ.
وَهَؤُلَاء الْمَلَاحِدَة المُنَافِقُونَ يَزْعمُونَ أَنه مَاتَ طَاهِرا مطهرا لَيْسَ فِيهِ شَيْء من الْخبث، بل يَزْعمُونَ أَن السَّحَرَة صدقوه فِي قَوْله: مَا علمت لكم من إِلَه غَيْرِي، وَأَنه صَحَّ قَوْله: أَنا ربكُم الْأَعْلَى، وَأَنه كَانَ عين الْحق.
وَقد أخبر سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَن جحوده لرب الْعَالمين. قَالَ لما قَالَ لَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام: {إِنِّي رَسُول من رب الْعَالمين * حقيق على أَن لَا أَقُول على الله إِلَّا الْحق قد جِئتُكُمْ بِبَيِّنَة من ربكُم فَأرْسل معي بني إِسْرَائِيل} [سُورَة الْأَعْرَاف: 104] - 105]، {قَالَ فِرْعَوْن وَمَا رب الْعَالمين * قَالَ رب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِن كُنْتُم موقنين * قَالَ لمن حوله أَلا تستمعون * قَالَ ربكُم وَرب آبائكم الْأَوَّلين * قَالَ إِن رَسُولكُم الَّذِي أرسل إِلَيْكُم لمَجْنُون * قَالَ رب الْمشرق وَالْمغْرب إِن كُنْتُم تعقلون * قَالَ لَئِن اتَّخذت إِلَهًا غَيْرِي لأجعلنك من المسجونين} [سُورَة الشُّعَرَاء: 23] - 29]، فتوعد مُوسَى بالسجن إِن اتخذ إِلَهًا غَيره.
وَهَؤُلَاء مَعَ تنظيمهم لفرعون يشاركون فِي حَقِيقَة كفره، وَإِن كَانُوا مفارقين لَهُ من جِهَة أُخْرَى، فَإِن عِنْدهم: مَا ثمَّ مَوْجُود غير الله أصلا، وَلَا يُمكن أحد أَن يتَّخذ إِلَهًا غَيره، لِأَنَّهُ أَي شَيْء عبد العابد من الْأَوْثَان والأصنام وَالشَّيَاطِين، فَلَيْسَتْ عِنْدهم غير الله أصلا. وَهل يُقَال هِيَ الله؟ لَهُم فِي ذَلِك قَولَانِ.
إِخْبَار الله عَن عَذَاب فِرْعَوْن فِي الْآخِرَة:
وإخباره سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَن تَكْذِيب فِرْعَوْن وَغير ذَلِك من أَنْوَاع كفره كثير فِي الْقُرْآن، وَكَذَلِكَ إخْبَاره عَن عَذَابه فِي الْآخِرَة. فَإِن هَؤُلَاءِ الْمَلَاحِدَة يَزْعمُونَ أَنه لَيْسَ فِي الْقُرْآن آيَة تدل على عَذَابه، وَيَقُولُونَ إِنَّمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: {يقدم قومه يَوْم الْقِيَامَة فأوردهم النَّار وَبئسَ الْورْد المورود} [سُورَة هود: 98]، قَالُوا: فَأخْبر أَنه يوردهم، وَلم يذكر أَنه دخل مَعَهم. قَالُوا: وَقد قَالَ: {أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب} [سُورَة غَافِر: 46]، فَإِنَّمَا يدْخل النَّار آل فِرْعَوْن لَا فِرْعَوْن.
وَهَذَا من أعظم جهلهم وضلالهم، فَإِنَّهُ حَيْثُ ذكر فِي الْكتاب وَالسّنة آل فلَان كَانَ فلَان دَاخِلا فيهم، كَقَوْلِه: {إِن الله اصْطفى آدم ونوحا وَآل إِبْرَاهِيم وَآل عمرَان على الْعَالمين} [سُورَة آل عمرَان: 33]، وَقَوله: {إِلَّا آل لوط نجيناهم بِسحر} [سُورَة الْقَمَر: 34]، وَقَوله: {سَلام على إل ياسين} [سُورَة الصافات: 130]. وَقَول النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: "اللَّهُمَّ صل على آل أبي أوفى"، وَقَوله: "لقد أُوتِيَ هَذَا مِزْمَارًا من مَزَامِير آل دَاوُد". وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: {وَإِذ نجيناكم من آل فِرْعَوْن يسومونكم سوء الْعَذَاب} [سُورَة الْبَقَرَة: 49]، {كدأب آل فِرْعَوْن} [سُورَة آل عمرَان: 11]، {وَلَقَد جَاءَ آل فِرْعَوْن النّذر * كذبُوا بِآيَاتِنَا كلهَا فأخذناهم أَخذ عَزِيز مقتدر} [سُورَة الْقَمَر: 41] - 42].
وَقَوله: {أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب} [سُورَة غَافِر: 46] متناول لَهُ وَلَهُم بِاتِّفَاق الْمُسلمين، وبالعلم الضَّرُورِيّ من دين الْمُسلمين.
وَهَذَا بعد قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَن مُؤمن من آل فِرْعَوْن يكتم إيمَانه: {أَتقْتلونَ رجلا أَن يَقُول رَبِّي الله} [سُورَة غَافِر: 28]، وَالَّذِي طلب قَتله هُوَ فِرْعَوْن، فَقَالَ الْمُؤمن بعد ذَلِك: {مَالِي أدعوكم إِلَى النجَاة وتدعونني إِلَى النَّار * تدعونني لأكفر بِاللَّه وأشرك بِهِ} [سُورَة غَافِر: 41] - 42]، والداعي إِلَى الْكفْر هُوَ كَافِر كفرا مغلظا، فَهَذَا فِيهِ.
ووصفهم أَيْضا بالْكفْر إِلَى قَوْله: {فوقاه الله سيئات مَا مكروا وحاق بآل فِرْعَوْن سوء الْعَذَاب * النَّار يعرضون عَلَيْهَا غدوا وعشيا وَيَوْم تقوم السَّاعَة أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب} [سُورَة غَافِر: 45] - 46]، فَأخْبر أَنه حاق بآل فِرْعَوْن سوء الْعَذَاب، وَيَوْم تقوم السَّاعَة أدخلُوا آل فِرْعَوْن أَشد الْعَذَاب. ثمَّ قَالَ: {وَإِذ يتحاجون فِي النَّار فَيَقُول الضُّعَفَاء للَّذين استكبروا إِنَّا كُنَّا لكم تبعا فَهَل أَنْتُم مغنون عَنَّا نَصِيبا من النَّار * قَالَ الَّذين استكبروا إِنَّا كل فِيهَا إِن الله قد حكم بَين الْعباد} [سُورَة غَافِر: 47] - 48] وَمَعْلُوم أَن فِرْعَوْن هُوَ أعظم الَّذين استكبروا، ثمَّ هامان وَقَارُون، وَأَن قَومهمْ كَانُوا لَهُم تبعا، وَفرْعَوْن هُوَ متبوعهم الْأَعْظَم الَّذِي قَالَ: مَا علمت لكم من إِلَه غَيْرِي، وَقَالَ: أَنا ربكُم الْأَعْلَى.
وَقد قَالَ: {واستكبر هُوَ وَجُنُوده فِي الأَرْض بِغَيْر الْحق وظنوا أَنهم إِلَيْنَا لَا يرجعُونَ * فأخذناه وَجُنُوده فنبذناهم فِي اليم فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الظَّالِمين * وجعلناهم أَئِمَّة يدعونَ إِلَى النَّار وَيَوْم الْقِيَامَة لَا ينْصرُونَ * وأتبعناهم فِي هَذِه الدُّنْيَا لعنة وَيَوْم الْقِيَامَة هم من المقبوحين} [سُورَة الْقَصَص: 39] - 42].
وَهَذَا تَصْرِيح بِأَنَّهُ نبذه وَقَومه فِي اليم عُقُوبَة الَّذِي هُوَ الْكفْر، وَأَنه أتبعه وَقَومه فِي الدُّنْيَا لعنة، وَيَوْم الْقِيَامَة هم من المقبوحين هُوَ وَقَومه جَمِيعًا، وَهَذَا مُوَافق لقَوْله: {وَلَقَد أرسلنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وسلطان مُبين * إِلَى فِرْعَوْن وملئه فاتبعوا أَمر فِرْعَوْن وَمَا أَمر فِرْعَوْن برشيد * يقدم قومه يَوْم الْقِيَامَة فأوردهم النَّار وَبئسَ الْورْد المورود * وأتبعوا فِي هَذِه لعنة وَيَوْم الْقِيَامَة بئس الرفد المرفود} [سُورَة هود: 96] - 99].
فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنهم اتبعُوا أمره، وَأَنه يقدمهم لِأَنَّهُ إمَامهمْ، فَيكون قادما لَهُم لَا سائقا لَهُم، وَأَنه يوردهم النَّار. فَإِذا كَانَ التَّابِع قد ورد النَّار فمعلوم أَن القادم الَّذِي يقدمهُ وَهُوَ متبوعه ورد قبله، وَلِهَذَا قَالَ بعد ذَلِك: {وأتبعناهم فِي هَذِه الدُّنْيَا لعنة وَيَوْم الْقِيَامَة هم من المقبوحين} [سُورَة الْقَصَص: 42]. وَالتَّابِع والمتبوع كَمَا قَالَ الله تَعَالَى فِي تِلْكَ السُّورَة عَن فِرْعَوْن وَقَومه: {وأتبعوا فِي هَذِه لعنة وَيَوْم الْقِيَامَة بئس الرفد المرفود} [سُورَة هود: 99].
وَالْكَلَام فِي هَذَا مَبْسُوط، لم تحْتَمل هَذِه الورقة إِلَّا هَذَا، وَالله أعلم.
وَالْحَمْد لله وَحده، وصلوات الله على سيدنَا مُحَمَّد وَآله وَصَحبه وَسلم، وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل.
تمّ وكمل.
انتهى كلامه رحمه الله (انظر: جامع الرسائل لشيخ الإسلام ابن تيمية - تحقيق محمد رشاد سالم - ط1 : دار العطاء - الرياض - ج1/صـ201 وما بعدها)
لتحميل الرسالة على ملف وورد : اضغط هنا

الأحد، ١ أغسطس ٢٠١٠

الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه - نسخة مصورة

الرد على الجهمية والزنادقة فيما شكوا فيه من متشابه القرآن وتأولوه على غير تأويله للإمام أحمد [مصورا pdf]
تأليف إمام أهل السنة أحمد بن حنبل رضي الله عنه (توفي سنة 241 هـ) رحمه الله
تحقيق : صبري بن سلامة شاهين
دار الثبات للنشر والتوزيع
الطبعة الأولى 1424 هـ
الحجم : 2.89MB
لتحميل الكتاب اضغط هنا

مؤلفات شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب كاملة - نسخة مصورة

مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبدالوهاب - كاملة - [نسخة مصورة pdf]
الحجم : 74.75MB

في هذه الصفحة المجموعة الكاملة لمؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - والتي تم جمعها بجامعة الإمام محمد بن سعود في أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
وتشتمل على 13 مجلد شاملة لكل تراث الشيخ رحمه الله؛ وعناوينها كالتالي:
- المجلد الأول، ويحتوي على:
1- رسائل العقيدة.
2- كتاب الكبائر.
- المجلد الثاني: مختصر الإنصاف والشرح الكبير.
- المجلد الثالث، ويحتوي على:
1- أربع قواعد تدور الأحكام عليها ويليها نبذة في اتباع النصوص مع احترام العلماء.
2- مبحث الإجتهاد والخلاف.
3- كتاب الطهارة.
4- شروط الصلاة وأركانها وواجباتها.
5- كتاب آداب المشي إلى الصلاة.
6- أحكام تمني الموت.
- المجلد الرابع، ويحتوي على:
1- مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم.
2- فتاوى ومسائل.
- المجلد الخامس، ويحتوي على:
1- تفسير آيات من القرآن الكريم.
2- كتاب فضائل القرآن.
- المجلد السادس: مختصر زاد المعاد.
- المجلد السابع: الرسائل الشخصية.
- المجلد الثامن: قسم الحديث [ الجزء الأول ].
- المجلد التاسع: قسم الحديث [ الجزء الثاني ].
- المجلد العاشر: قسم الحديث [ الجزء الثالث ].
- المجلد الحادي عشر: قسم الحديث [ الجزء الرابع ].
- المجلد الثاني عشر: قسم الحديث [ الجزء الخامس ].
- المجلد الثالث عشر، ويحتوي على:
1- المسائل التي لخصها الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
2- مختصر تفسير سورة الأنفال.
3- بعض فوائد صلح الحديبية.
4- رسالة في الرد على الرافضة.
5- الخطب المنبرية.

لتحميلها كاملة برابط واحد مباشر ما عليك إلا أن تضغط على الرابط التالي :
تحميل

الجمع المفيد في تكفير المعين وحكم تارك التوحيد

الجمع المفيد في تكفير المعين وحكم تارك التوحيد
قال ابن جرير رحمه الله في تفسيره عن قوله تعالى في سورة الأعراف ( فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ) قال إن الفريق الذي حق عليهم الضلالة إنما ضلوا عن سبيل الله وجاروا عن قصد المحجة باتخاذهم الشياطين نُصراء من دون الله وظُهراء جهلا منهم بخطأ ما هم عليه من ذلك بل فعلوا ذلك وهم يظنون أنهم على هدى و حق وأن الصواب ما أتوه وركبوه وهذا من أبين الدلالة على خطأ قول من زعم أن الله لا يعذب أحدا على معصية ركبها أو ضلالة اعتقدها إلا أن يأتيها بعد علم منه بصواب وجهها فيركبها عنادا منه لربه لأن ذلك لو كان كذلك لم يكن بين فريق الضلالة الذي ضل وهو يحسب أنه هاد وفريق الهدى فرق وقد فرق الله بين أسمائهما وأحكامهما في هذه الآية اهـ ونقل ابا بطين عن ابن جرير عند تفسير قولة تعالى ( فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ) قال ابن جرير وهذا يدل على أن الجاهل غير معذور اهـ الدرر 10/392 وراجع أيضا كلام ابن جرير في سورة الكهف آية 104
ونقل ابن كثير رحمه الله كلام ابن جرير السابق نفسه موافقا عليه ومقررا له عند تفسير الآية المذكورة ،
وقال البغوي رحمه الله عند تفسير الآية المذكورة نفسها : ( وفيه دليل على أن الكافر الذي يظن أنه في دينه على الحق والجاحد والمعاند سواء) أهـ
وقال البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان في باب المعاصي من أمر الجاهلية قال :ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك لقول النبي صلى الله عليه وسلم (إنك امرؤ فيك جاهلية) وقال الله عز وجل ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء ) .اهـ
وقال ابن منده رحمه الله في كتابه التوحيد 1/314 : باب ذكر الدليل على أن المجتهد المخطئ في معرفة الله عز وجل ووحدانيته كالمعاند ،ثم قال :قال الله تعالى مخبرا عن ضلالتهم ومعاندتهم (قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم قي الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا )
ثم نقل أثر علي بن أبي طالب لما سُئل عن الأخسرين أعمالا فقال :كفرة أهل الكتاب كان أوائلهم على حق فأشركوا بربهم عز وجل وابتدعوا في دينهم وأحدثوا على أنفسهم فهم يجتمعون في الضلالة ويحسبون أنهم على هدى ويجتهدون في الباطل ويحسبون أنهم على حق ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، وقال علي رضى الله عنه منهم أهل حروراء .
ثم ذكر أثر سلمان الفارسي رضى الله عنه لما ذكر للرسول حال النصارى قبل البعثة أنهم كانوا يصومون ويصلون ويشهدون أنك ستبعث فقال الرسول صلى الله عليه وسلم هم من أهل النار . اهـ
وقال البربهاري رحمه الله في كتابه شرح السنة رقم 49 قال (ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله عز وجل أو يرد شيئا من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يذبح لغير الله أو يصلي لغير الله وإذا فعل شيئا من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام وإذا لم يفعل شيئا من ذلك فهو مؤمن مسلم بالاسم لا بالحقيقة اهـ
و نقل قبل ذلك قول عمر رضي الله عنه، قال عمر: ( لاعذر لأحد في ضلالة ركبها حسبها هدى ولا في هدى تركه حسبه ضلالة فقد بُينت الأمور وثبتت الحجة وانقطع العذر ) . اهـ
وقال القرطبي في تفسيره 7/319 عند آية الميثاق قال في آخرها ( ولا عذر للمقلد في التوحيد ) اهـ
وقال اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة 3/528 : باب سياق ما روي في تكفير المشبهة قال : تكلم داود الجواربي في التشبيه فاجتمع فيها أهل واسط منهم محمد بن يزيد وخالد الطحان وهشيم وغيرهم فأتوا الأمير وأخبروه بمقالته فأجمعوا على سفك دمه ،
ونقل عن يزيد بن هارون قال :الجهمية والمشبهة يستتابون كذا رماهم بأمر عظيم اهـ
ونقل عن نعيم بن حماد قال من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر ، ونقل عن إسحاق بن راهويه قال من وصف الله فشبه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم اهـ
( ومن عبد غير الله فقد شبه الله بخلقه فجعل بعض خلق الله إله يعبد)
وقال الشيخ محمد الشنقيطي صاحب أضواء البيان (2\42) : والْخِلَافِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ فِي أَهْلِ الْفَتْرَةِ ، هَلْ يَدْخُلُونَ النَّارَ بِكُفْرِهِمْ ؟ وَحَكَى الْقَرَافِيُّ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ وَجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " ، أَوْ يُعْذَرُونَ بِالْفَتْرَةِ وَإِلَى هَذَا الْخِلَافِ أَشَارَ فِي " مَرَاقِي السُّعُودِ " بِقَوْلِهِ :
ذُو فَتْرَةٍ بِالْفَرْعِ لَا يُرَاعُ ......... وَفِي الْأُصُولِ بَيْنَهُمْ نِزَاعُ
ولاحظ أنه لم يقل بأنه يوجد خلاف في تسمية المشرك مشركا . ولكن نقل وجود خلاف في كون من مات في زمن فترة ولم يبلغه شيء - وهذا على فرض وجوده - فبعضهم قال: يمتحن يوم القيامة ولا يدخل النار مباشرة وبعضهم جزم بدخوله النار وحكى الإجماع على ذلك . فإذًا الكلام ليس على أحكام الدنيا وكون المشرك يسمى مسلما كما يزعم البعض الآن والله المستعان . فلا خلاف في تسمية المشرك مشركا وأنها تجري عليه أحكام المشركين في الدنيا حتى ولو كان جاهلا . أما أهل الجاهلية المشركون منهم فقد جزم بعض العلماء بكونهم من أهل النار ولا يمتحنون واستدلوا على ذلك ببعض الأدلة منها ما ورد بخصوص والدا الرسول صلى الله عليه وسلم وغير ذلك، وهذه مسألة أخرى لن نناقشها الآن .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيما نقله عنه الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله قال : ومن كلام للشيخ تقي الدين، وقد سئل عن الوسائط، فقال - بعد كلام -: وإن أراد بالواسطة: أنه لا بد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله، في جلب المنافع ودفع المضار، مثل أن يكونوا واسطة في رزق العباد، ونصرهم وهداهم، يسألونهم ذلك، ويرجعون إليهم فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء، يجلبون بهم المنافع، ويدفعون بهم المضار، إلى أن قال: قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً} إلى قوله {إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورا} .
وقال طائفة من السلف: كان أقوام من الكفار يدعون عيسى، وعزيرا، والملائكة، والأنبياء، فبين الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلا، وأنهم يتقربون إليه ويرجون رحمته، ويخافون عذابه إلى أن قال رحمه الله: فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط، يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع، ودفع المضار، مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكربات، وسد الفاقات، فهو كافر مشرك بإجماع المسلمين، إلى أن قال:
فمن أثبت وسائط بين الله وبين خلقه، كالحجّاب الذين يكونون بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائجهم، وأن الله إنما يهدي عباده، ويرزقهم وينصرهم، بتوسطهم، بمعنى: أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك، يسألون حوائج الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبا منهم، لكونهم أقرب إلى الملك من الطالب،
فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه، فهو كافر مشرك، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل؛ وهؤلاء مشبهون شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أندادا؛ وفي القرآن من الرد على هؤلاء ما لا تتسع له هذه الفتوى؛ فإن هذا دين المشركين عباد الأوثان، كانوا يقولون: إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وإنها وسائل يتقربون بها إلى الله، وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى، إلى أن قال: وأما الشفاعة التي نفاها القرآن، كما عليه المشركون والنصارى، ومن ضاهاهم من هذه الأمة، فينفيها أهل العلم والإيمان، مثل أنهم يطلبون من الأنبياء، والصالحين الغائبين، والميتين، قضاء حوائجهم، ويقولون: إنهم إن أرادوا ذلك قضوها; ويقولون: إنهم عند الله كخواص الملوك عند الملوك، ولهم على الملوك إدلال يقضون به حوائجهم، فيجعلونهم لله بمنْزلة شركاء الملك؛ والله سبحانه قد نزه نفسه عن ذلك، انتهى ملخصا.
وذكر رحمه الله، في "الرسالة السنية" لما ذكر حديث الخوارج، قال: وإذا كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قد مرق من الدين، مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام في هذه الأزمان، قد يمرق أيضا; وذلك بأمور; منها: الغلو الذي ذمه الله، كالغلو في بعض المشائخ، مثل: الشيخ عدي، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح.
فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يدعوه من دون الله، بأن يقول: يا سيدي فلان أغثني، أو أجرني، أو توكلت عليك، أو أنا في حسبك، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل.
فإن الله أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليعبد وحده، لا يجعل معه إله آخر؛ والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، مثل الملائكة، والمسيح، وعزير، والصالحين، لم يكونوا يعتقدون: أنها ترزق، وتدبر أمر من دعاها، وإنما كانوا يدعونهم، يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله; فبعث الله الرسل تنهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استعانة; وكلامه رحمه الله في هذا الباب كثير.

وقال أبو الوفاء ابن عقيل رحمه الله فيمن دعا صاحب التربة و دس الرقاع على القبور أنه شرك أكبر ،وقد نقل أئمة الدعوة عنه هذا كثيرا على وجه الإقرار له ،
قال الشيخ محمد في تاريخ نجد ص266 : وابن عقيل ذكر أنهم كفار بهذا الفعل ( أعني دعوة صاحب التربة ودس الرقاع )
وقال الشيخ أبا بطين (تقدم كلام ابن عقيل في جزمه بكفر الذين وصفهم بالجهل فيما ارتكبوه من الغلو في القبور نقله عنه ابن القيم مستحسنا له )الدرر 10/386
وقال ابن القيم، رحمه الله تعالى: رأيت لأبي الوفاء بن عقيل فصلا حسنا، فذكرته بلفظه; قال: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم.
قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وإكرامها، بما نهى عنه الشرع، من إيقاد السرج عليها، وتقبيلها، وتخليقها، وخطاب أهلها بالحوائج، وكتابة الرقاع، فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ تربتها تبركا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر، اقتداء بمن عبد اللات والعزى.
فقد نقله عنه ابن القيم مستحسنا له
وقال الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله في معرض رده على أحدهم : وقولك: إن الشيخ تقي الدين وابن القيم يقولان: إن من فعل هذه الأشياء - أي دعاء الموتى ونحو ذلك - ، لا يطلق عليه أنه كافر مشرك، حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية، من إمام أو نائبه، فيصر; وأنه يقال: هذا الفعل كفر، وربما عذر فاعله، لاجتهاد، أو تقليد، أو غير ذلك، فهذه الجملة التي حكيت عنهما، لا أصل لها في كلامهما.
إلى أن قال : إن شيخ الإسلام إنما قال ذلك - أي أنه قد يعذر الإنسان - في أمور بدعية، ليست بشرك، مثل تحري دعاء الله عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم وبعض العبادات المبتدعة، فقال في الكلام على هذه البدع: وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحا، ولا يكون عالما أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه لعدم علمه; وهذا باب واسع. وعامة العبادات المنهي عنها، قد يفعلها بعض الناس، ويحصل له نوع من الفائدة، وذلك لا يدل على أنها مشروعة، ثم العالم قد يكون متأولا، أو مجتهدا مخطئا، أو مقلدا فيغفر له خطؤه، ويثاب على فعله من المشروع، المقرون بغير المشروع، فهذا كلامه في الأمور التي ليست شركا. مشروعة، ثم العالم قد يكون متأولا، أو مجتهدا مخطئا، أو مقلدا فيغفر له خطؤه، ويثاب على فعله من المشروع، المقرون بغير المشروع، فهذا كلامه في الأمور التي ليست شركا.
وأما الشرك، فقد قال رحمه الله: إن الشرك لا يغفر، وإن كان أصغر; نقل ذلك عنه تلميذه صاحب الفروع فيه، وذلك - والله أعلم - لعموم قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}، مع أن الشيخ رحمه الله، لم يجزم أنه يغفر لمن ذكرهم، وإنما قال قد يكون.
وقد قال رحمه الله، في "شرح العمدة" لما تكلم في كفر تارك الصلاة، فقال: وفي الحقيقة: فكل رد لخبر الله، أو أمره فهو كفر، دق أو جل، لكن قد يعفى عما خفيت فيه طرق العلم، وكان أمرا يسيرا في الفروع، بخلاف ما ظهر أمره، وكان من دعائم الدين، من الأخبار والأوامر، يعني: فإنه لا يقال قد يعفى عنه.
وقال رحمه الله، في أثناء كلام له، في ذم أصحاب الكلام، قال: والرازي من أعظم الناس في باب الحيرة، له نهمة في التشكيك، والشك في الباطل خير من الثبات على اعتقاده، لكن قل أن يثبت أحد على باطل محض، بل لا بد فيه من نوع من الحق، وتوجد الردة فيهم كثيرا، كالنفاق؛ وهذا إذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال: لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها.
لكن يقع ذلك في طوائف منهم، في أمور يعلم العامة والخاصة، بل اليهود والنصارى يعلمون أن محمدا بعث بها، وكفر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة غيره، فإن هذا أظهر شعائر الإسلام، ومثل أمره بالصلوات الخمس، ومثل معاداة المشركين، وأهل الكتاب، ومثل تحريم الفواحش، والربا والميسر، ونحو ذلك.
ثم قال الشيخ عبد الله أبا بطين: وقولك: إن الشيخ يقول: إن من فعل شيئا من هذه الأمور الشركية، لا يطلق عليه أنه مشرك كافر، حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية، فهو لم يقل ذلك في الشرك الأكبر، وعبادة غير الله، ونحوه من الكفر، وإنما قال هذا في المقالات الخفية، كما قدمنا من قوله: وهذا إذا كان في المقالات الخفية، فقد يقال: لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها; فلم يجزم بعدم كفره، وإنما قال: قد يقال.
وقوله: قد يقع ذلك في طوائف منهم، يعلم العامة والخاصة، بل اليهود والنصارى، يعلمون أن محمدا بعث بها، وكفر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة غيره، فإن هذا أظهر شرائع الإسلام، يعني: فهذا لا يمكن أن يقال، لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها، والأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة غيره، هو ما نحن فيه، قال تعالى: {رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} .
وقوله رحمه الله: بل اليهود والنصارى يعلمون ذلك، حكي لنا عن غير واحد من اليهود في البصرة، أنهم عابوا على المسلمين ما يفعلونه عند القبور، قالوا: إن كان نبيكم أمركم بهذا فليس بنبي، وإن لم يأمركم فقد عصيتموه؛ وعبادة الله وحده لا شريك له، هي أصل الأصول، الذي خلق الله الجن والإنس لأجله، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ، أي: يعبدوني وحدي.
وهو الذي أرسل به جميع الرسل، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} . اهـ كلام الشيخ عبد الله أبا بطين
وقال الشيخ أبا بطين في مجموعة الرسائل والمسائل ، 1 / 657، ( في رسالة له في تكفير المعين الذي أشرك بالله ولو جاهلا ) قال : فالأمر الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع العلماء على أن مثل الشرك بعبادة الله غيره سبحانه كفر فمن ارتكب شيئا من هذا النوع أو حسنه فهذا لا شك في كفره ولا بأس بمن تحققت منه أشياء من ذلك أن تقول كفر فلان بهذا الفعل ويبين هذا أن الفقهاء يذكرون في باب حكم المرتد أشياء كثيرة يصير بها المسلم مرتدا كافرا ويستفتحون هذا الباب بقولهم : من أشرك بالله فقد كفر وحكمه أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل ، والاستتابة إنما تكون مع معين. اهـ
وقد تقدم كلام ابن تيمية رحمه الله : (فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يدعوه من دون الله، بأن يقول: يا سيدي فلان أغثني، أو أجرني، أو توكلت عليك، أو أنا في حسبك، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل). اهـ
وقال الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله : ( ومما يبين أن الجهل ليس بعذر في الجملة، قوله صلى الله عليه وسلم في الخوارج ما قال، مع عبادتهم العظيمة؛ ومن المعلوم: أنه لم يوقعهم ما وقعوا فيه إلا الجهل، وهل صار الجهل عذرا لهم؟ يوضح ما ذكرنا: أن العلماء من كل مذهب يذكرون في كتب الفقه: باب حكم المرتد، وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه.
وأول شيء يبدؤون به من أنواع الكفر: الشرك، يقولون: من أشرك بالله كفر، لأن الشرك عندهم أعظم أنواع الكفر، ولم يقولوا إن كان مثله لا يجهله، كما قالوا فيما دونه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لما "سئل: أي الذنب أعظم إثما عند الله؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك". فلو كان الجاهل أو المقلد، غير محكوم بردته إذا فعل الشرك، لم يغفلوه؛ وهذا ظاهر. وقد وصف الله سبحانه، أهل النار بالجهل، كقوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}، وقال: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} وقال: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}.
وقال تعالى: {فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} ، قال ابن جرير - عند تفسير هذه الآية -: وهذا يدل على أن الجاهل غير معذور؛ ومن المعلوم: أن أهل البدع الذين كفرهم السلف والعلماء بعدهم، أهل علم وعبادة وفهم وزهد، ولم يوقعهم فيما ارتكبوه إلا الجهل.
والذين حرقهم علي بن أبي طالب بالنار، هل آفتهم إلا الجهل؟ ولو قال إنسان: أنا أشك في البعث بعد الموت، لم يتوقف من له أدنى معرفة في كفره، والشاك جاهل، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} ؛ وقد قال الله تعالى عن النصارى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} الآية. "قال عدي بن حاتم للنبي صلى الله عليه وسلم: ما عبدناهم، قال: أليس يحلون ما حرم الله فتحلونه؟ ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى; قال: فتلك عبادتهم" ، فذمهم الله سبحانه، وسماهم مشركين، مع كونهم لم يعلموا أن فعلهم معهم هذا عبادة لهم، فلم يعذروا بالجهل. ولو قال إنسان عن الرافضة في هذا الزمان: إنهم معذورون في سبهم الشيخين وعائشة، لأنهم جهال مقلدون، لأنكر عليهم الخاص والعام. وما تقدم من حكاية شيخ الإسلام رحمه الله، إجماع المسلمين على: أن من جعل بينه وبين الله وسائط، يتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار، أنه كافر مشرك، يتناول الجاهل وغيره، لأنه من المعلوم أنه إذا كان إنسان يقر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ويؤمن بالقرآن، ويسمع ما ذكر الله سبحانه في كتابه، من تعظيم أمر الشرك، بأنه لا يغفره، وأن صاحبه مخلد في النار، ثم يقدم عليه وهو يعرف أنه شرك، هذا مما لا يفعله عاقل، وإنما يقع فيه من جهل أنه شرك؛ وقد قدمنا كلام ابن عقيل، في جزمه بكفر الذين وصفهم بالجهل فيما ارتكبوه من الغلو في القبور، نقله عنه ابن القيم مستحسنا له.
والقرآن يرد على من قال: إن المقلد في الشرك معذور، فقد افترى وكذب على الله، وقد قال الله تعالى عن المقلدين من أهل النار {إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا}، وقال سبحانه حاكيا عن الكفار قولهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ}. وفي الآية الأخرى {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} ، واستدل العلماء بهذه الآية ونحوها، على أنه لا يجوز التقليد في التوحيد، والرسالة، وأصول الدين، وأن فرضا على كل مكلف أن يعرف التوحيد بدليله، وكذلك الرسالة، وسائر أصول الدين، لأن أدلة هذه الأصول ظاهرة ولله الحمد، لا يختص بمعرفتها العلماء.
وقولك: حتى تقوم عليه الحجة الإسلامية، من إمام أو نائبه، معناه: أن الحجة الإسلامية لا تقبل إلا من إمام أو نائبه، وهذا خطأ فاحش، لم يقله أحد من العلماء، بل الواجب على كل أحد قبول الحق ممن قاله كائنا من كان.
ومقتضى هذا: أن من ارتكب أمرا محرما، شركا فما دونه بجهل، وبين له من عنده علم بأدلة الشرع أن ما ارتكبه حرام، وبين له دليله من الكتاب والسنة، أنه لا يلزمه قبوله، إلا أن يكون ذلك من إمام أو نائبه، وأن حجة الله لا تقوم عليه، إلا أن يكون ذلك من الإمام أو نائبه.
وأظنك سمعت هذا الكلام من بعض المبطلين، وقلدته فيه، ما فطنت لعيبه; وإنما وظيفة الإمام أو نائبه: إقامة الحدود، واستتابة من حكم الشرع بقتله، كالمرتد في بلاد الإسلام.
وأظن هذه العبارة مأخوذة، من قول بعض الفقهاء في تارك الصلاة: أنه لا يقتل حتى يدعوه إمام أو نائبه إلى فعلها؛ والدعاء إلى فعل شيء، غير بيان الحجة على خطئه أو صوابه، أو كونه حقا أو باطلا بأدلة الشرع; فالعالم مثلا: يقيم الأدلة الشرعية على وجوب قتل تارك الصلاة، ثم الإمام أو نائبه يدعوه إلى فعلها، ويستتيبه. اهـ كلامه رحمه الله
وقال الشوكاني في إرشاد الفحول في باب الاجتهاد: ( ما يكون الغلط فيه مانعا من معرفة الله ورسوله كما في إثبات العلم بالصانع والتوحيد والعدل قالوا فهذه الحق فيها واحد فمن أصابه أصاب الحق ومن أخطأه فهو كافر )
وقال أيضا (ليس مجرد قول لا إله إلا الله من دون عمل بمعناها مثبتا للإسلام فإنه لو قالها أحد من أهل الجاهلية وعكف على صنمه يعبده لم يكن ذلك إسلاما) الدر النضيد ص 40 .
وقال ابن قدامة في روضة الناظر في باب الاجتهاد ، قال: (وزعم الجاحظ أن مخالف ملة الإسلام إذا نظر فعجز عن إدراك الحق فهو معذور غير آثم وهذا باطل يقينا وكفر بالله تعالى ورد عليه وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم فإنا نعلم قطعا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر اليهود والنصارى بالإسلام واتباعه وذمهم على إصرارهم ونقاتل جميعهم ونقتل البالغ منهم ونعلم أن المعاند العارف مما يقل وإنما الأكثر مقلدة اعتقدوا دين آبائهم تقليدا ولم يعرفوا معجزة الرسول ثم ذكر آيات في ذلك) اهـ
وقال الشيخ عبد اللطيف في مصباح الظلام ص 123 وفي كتاب السنة لعبد الله بن أحمد : حدثني أبو سعيد بن يعقوب الطالقاني أنبانا المؤمل بن إسماعيل سمعت عمارة بن زازان قال :بلغني أن القدرية يحشرون يوم القيامة مع المشركين فيقولون والله ما كنا مشركين فيقال لهم إنكم أشركتم من حيث لاتعلمون اهـ
وقال الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب رحمه الله(في الدرر السنية 8/118) لما ذكر المرتدين وفرقهم فمنهم من كذب النبي صلى الله عليه وسلم ورجعوا إلى عبادة الأوثان ومنهم من أقر بنبوة مسيلمة ظنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أشركه في النبوة ومع هذا أجمع العلماء أنهم مرتدون ولو جهلوا ذلك ومن شك في ردتهم فهو كافر .
وقال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في الدرر ( 9 / 405-406 ) قال : لما نقل كلام ابن تيمية في التكفير : وكلام ابن تيمية في كل موضع وقفنا عليه من كلامه لا يذكر عدم تكفير المعين إلا ويصله بما يزيل الإشكال أن المراد بالتوقف عن تكفيره قبل أن تبلغه الحجة ، وأما إذا بلغته الحجة حكم عليه بما تقتضيه تلك المسألة من تكفير أو تفسيق أو معصية ، وصرح ابن تيمية أيضا أن كلامه في غير المسائل الظاهرة فقال في الرد على المتكلمين لما ذكر أن بعض أئمتهم توجد منه الردة عن الإسلام كثيرا قال : وهذا إن كان في المقالات الخفية فقد يقال أنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها ولكن هذا يصدر عنهم في أمور يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بها وكفر من خالفها مثل عبادة الله وحده لا شريك له ونهيه عن عبادة أحد سواه من الملائكة والنبيين وغيرهم فإن هذا أظهر شعائر الإسلام ومثل إيحابه للصلوات الخمس وتعظيم شأنها ومثل تحريم الفواحش والزنا والخمر والميسر ، ثم تجد كثيرا من رؤسهم وقعوا فيها فكانوا مرتدين ،
ثم ذكر الشيخ محمد مسألة تكفير المعين بعد بلوغ الحجة وقال لا نعلم عن واحد من العلماء خلافا في هذه المسألة والحمد لله . اهـ
وقال رحمه الله في كتابه كشف الشبهات ص9 ، ط: دار الثقافة للطباعة ، حيث قال : " فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه قد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل .. " انتهى.(فلم يمنع من التكفير كونه جاهلا )
وفي رسالة أرسلها إلى الشيخ عبد اللَّه بن عيسى قاضي الدرعية ، وهي موجودة في تاريخ نجد الرسالة الرابعة عشر ص324 ، أرسلها منكراً عليه كيف أشكل عليه تكفير الطواغيت ، فقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب : " فقد ذكر لي أحمد أنه مشكل عليكم الفُتيا بكفر هؤلاء الطواغيت مثل أولاد شمسان وأولاد إدريس ، والذين يعبدونهم مثل طالب وأمثاله ... " انتهى
ويتضح من هذا الكلام تكفيره لمن عبد الطواغيت ،بل إنكاره على من لم يكفر أولئك الطواغيت، أو من عبد الطواغيت ،ولاحظ أنه سماهم طواغيت وسمى طالبا وأمثاله بأنهم ممن يعبدون الطواغيت ولايمكن أن يكون من عبد الطواغيت مسلما ولو كان جاهلا فضلا عن كونه موحدا لأن اسم الشرك يتناوله ويصدق عليه .
وفي رسالة أرسلها إلى عبد الرحمن بن ربيعة - أحد علماء ثادق - وهي الرسالة العشرون في تاريخ نجد ص341 ، قال بعد كلام : " فمن عبد اللَّه ليلا ونهارا ثم دعا نبيا أو وليا عند قبره ، فقد اتخذ إلهين اثنين ولم يشهد أن لا إله إلا اللَّه ، لأن الإله هو المدعو ، كما يفعل المشركون اليوم عند قبر الزبير أو عبد القادر أو غيرهم، وكما يفعل قبل هذا عند قبر زيد وغيره ... " انتهى . والشاهد : أنه سمّاهم مشركين (لمن عبد أصحاب القبور المذكورة) وسماهم أيضا أنهم ممن اتخذ الهين اثنين . اهـ
وفي رسالة أرسلها إلى سليمان بن سحيم قاضي الرياض ، وهي الرسالة التاسعة في تاريخ نجد ص304 ، قال بعد كلام : " وإنّا كفّرنا هؤلاء الطواغيت أهل الخرج وغيرهم للأمور التي يفعلونها هم ، منها أنهم يجعلون آباءهم وأجدادهم وسائط، ومنها أنهم يدعون الناس إلى الكفر ، ومنها أنهم يُبغّضون عند الناس دين محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- .... " انتهى . والشاهد : " أنه كفّر من جعل بينه وبين اللَّه وسائط .
وفي رسالة أرسلها إلى أحد علماء الأحساء واسمه أحمد بن عبد الكريم ، وهي الرسالة الحادية والعشرون في تاريخ نجد ص346.
وكان أحمد بن عبد الكريم الأحسائي لما التبس عليه فعل عباد القبور مع جهلهم ،وكان الاحسائي هذا ينكر تكفير المعين لمن عبد القبور لجهله ويُجيز تكفير النوع لا العين أي فعله كفر وشرك وليس هو بمشرك ولا كافر لأنه جاهل ، وناقشه الشيخ في رسالة طويلة قال فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وتأمل تكفير ( ابن تيمية ) لرؤسائهم فلاناً وفلاناً بأعيانهم ، وردتهم ردة صريحة .
و تأمل تصريحه بحكاية الإجماع على ردة الفخر الرازي عن الإسلام مع كونه عند علمائكم من الأئمة الأربعة ، هل يناسب هذا لما فهمت من كلامه أن المعين لا يكفر، ولو دعى عبد القادر في الرخاء والشدة ، ولو أحب عبد اللَّه بن عون وزعم أن دينه حسن مع عبادته أبي حديدة ... ،
وقال في الرسالة أيضا بعد ذكر من كفره السلف قال : واذكر كلامه في الإقناع وشرحه في الردة كيف ذكروا أنواعا كثيرة موجودة عندكم ، ثم قال منصور البهوتي : وقد عمت البلوى في هذه الفرق وأفسدوا كثيرا من عقائد أهل التوحيد نسأل الله العفو والعافية . هذا لفظه بحروفه ، ثم ذكر قتل الواحد منهم وحكم ماله هل قال واحد من هؤلاء من الصحابة إلى زمن منصور البهوتي إن هؤلاء يكفر أنواعهم لا أعيانهم الدرر السنية ( 10 / 63 ـ 74 ) ،فانظر إلى تكفير الشيخ محمد من عَبَد عبد القادر أعلاه .
( والطوائف التي ذكرها البهوتي في باب المرتد هي : أهل الحلول والاتحاد ، والرافضة والباطنية والقرامطة ) .
وأختم كلام الإمام محمد برسالة وهي موجودة في تاريخ نجد ص410 كتبها الشيخ رحمه الله يتضح فيها أن الشيخ لا يعذر بالجهل في الشرك الأكبر فقال : (ما ذكرت لكم من قول الشيخ ( ابن تيمية ) كل من جحد كذا وكذا وقامت عليه الحجة وأنكم شاكون في هؤلاء الطواغيت وأتباعهم هل قامت عليهم الحجة فهذا من العجب كيف تشكون في هذا وقد أوضحته لكم مرارا فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية بعيدة أو يكون ذلك في مسألة خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرّف وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه فإن حجة الله هي القرآن فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة . ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وبين فهم الحجة، فإن أكثر الكفار والمنافقين لم يفهموا حجة اللَّه مع قيامها عليهم ، كما قال تعالى : ( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ).
وقيام الحجة وبلوغها نوع ، وفهمهم إياها نوع آخر ، وكفرهم ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها " اهـ
ويجب أن يُفهم أن الشيخ محمد قال بعدم تكفير حديث عهد بإسلام فنفى عنه لحوق اسم الكفر ولم ينف لحوق اسم الشرك به إذا وقع في الشرك الأكبر أما اسم الشرك واسم المشركين فيلحق من فعل الشرك ويُسمون مشركين وعابدي غير الله واتخذوا مع الله آلهة أخرى ويُنفى عنهم اسم الإسلام ، كل ذلك يلحقهم لأنهم يفعلون الشرك فاسمه يتناولهم ويصدق عليهم .
وننقل كلام الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن وهو من أحفاد الشيخ ، حيث تعرّض الشيخ إسحاق لهذه القضية في كتابه (تكفير المعين) ص16، ولا غريب فإن أولى الناس أن يفهموا كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب هم طلابه وأحفاده وهم يدركون علم الشيخ أكثر من غيرهم، فقال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بعد كلام : " فنذكر من ذلك شيئا يسيرا لأن المسألة وِفَاقِيَّةٌ ، والمقام مقام اختصار . فلنذكر من كلامه ما ينبهك على الشبهة التي استدل بها من ذكرنا في الذي يعبد قبة الكواز وأن الشيخ توقف في تكفيره، ونذكر أولا مساق الجواب ، وما الذي سيق لأجله وهو أن الشيخ محمدا رحمه اللَّه ومن حكى عنه هذه القصة يذكرون ذلك معذرة له عمَّا يدعيه خصومه عليه من تكفير المسلمين، وإلا فهي نفسها دعوى لا تصلح أن تكون حجة بل تحتاج لدليل وشاهد من القرآن والسنة ... " إلخ . ثم قال في ص19 : " وتوقفه رحمه اللَّه -أي توقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب- في بعض الأجوبة يُحمل على أنه لأمر من الأمور ، وأيضا فإنه كما ترى توقف مرة كما في قوله : ( وأمَّا من أخلد إلى الأرض فلا أدري ما حاله ) فياللَّه العجب كيف يترك قول الشيخ في جميع المواضع مع دليل الكتاب والسنة وأقوال ابن تيمية وابن القيم ، كما في قوله: من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة" ويقبل في موضع واحد مع الإجمال ... " انتهى .
ولا خلاف بين العلماء في أن من فعل الشرك الأكبر في أي عصر كان فإنه يقال عنه مشرك بعينه وتجري عليه أحكام المشركين في الدنيا من عدم الاستغفار له وعدم الصلاة عليه إذا مات وعدم تزويجه من مسلمة ...
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (مجموع الفتاوى 20\37،38) : فَصْلٌ : وَقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ مَا قَبْلَ الرِّسَالَةِ وَمَا بَعْدَهَا فِي أَسْمَاءَ وَأَحْكَامٍ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي أَسْمَاءَ وَأَحْكَامٍ وَذَلِكَ حُجَّةٌ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ : عَلَى مَنْ قَالَ : إنَّ الْأَفْعَالَ لَيْسَ فِيهَا حَسَنٌ وَقَبِيحٌ . وَمَنْ قَالَ : إنَّهُمْ يَسْتَحِقُّونَ الْعَذَابَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ . أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّهُ سَمَّاهُمْ ظَالِمِينَ وَطَاغِينَ وَمُفْسِدِينَ ؛ لِقَوْلِهِ : { اذْهَبْ إلَى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغَى } وَقَوْلِهِ : { وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } { قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ } وَقَوْلِهِ : { إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ } فَأَخْبَرَ أَنَّهُ ظَالِمٌ وَطَاغٍ وَمُفْسِدٌ هُوَ وَقَوْمُهُ وَهَذِهِ أَسْمَاءُ ذَمِّ الْأَفْعَالِ ؛ وَالذَّمُّ إنَّمَا . يَكُونُ فِي الْأَفْعَالِ السَّيِّئَةِ الْقَبِيحَةِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ تَكُونُ قَبِيحَةً مَذْمُومَةً قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ الْعَذَابَ إلَّا بَعْدَ إتْيَانِ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ ؛ لِقَوْلِهِ : { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } . وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ عَنْ هُودَ أَنَّهُ قَالَ لِقَوْمِهِ : { اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أَنْتُمْ إلَّا مُفْتَرُونَ } فَجَعَلَهُمْ مُفْتَرِينَ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ بِحُكْمِ يُخَالِفُونَهُ ؛ لِكَوْنِهِمْ جَعَلُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَاسْمُ الْمُشْرِكِ ثَبَتَ قَبْلَ الرِّسَالَةِ ؛ فَإِنَّهُ يُشْرِكُ بِرَبِّهِ وَيَعْدِلُ بِهِ وَيَجْعَلُ مَعَهُ آلِهَةً أُخْرَى وَيَجْعَلُ لَهُ أَنْدَادًا قَبْلَ الرَّسُولِ وَيُثْبِتُ أَنَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ مُقَدَّمٌ عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ اسْمُ الْجَهْلِ وَالْجَاهِلِيَّةِ يُقَالُ : جَاهِلِيَّةً وَجَاهِلًا قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ وَأَمَّا التَّعْذِيبُ فَلَا . وَالتَّوَلِّي عَنْ الطَّاعَةِ كَقَوْلِهِ : { فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى } { وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى } فَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الرَّسُولِ مِثْلَ قَوْلِهِ عَنْ فِرْعَوْنَ . { فَكَذَّبَ وَعَصَى } كَانَ هَذَا بَعْدَ مَجِيءِ الرَّسُولِ إلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى . { فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى } { فَكَذَّبَ وَعَصَى } وَقَالَ : { فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ } . اهـ
وقال الشيخ حسين وعبد الله أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب في (الدرر السنية 10/142) في من مات قبل هذه الدعوة ولم يدرك الإسلام وهذه الأفعال التي يفعلها الناس اليوم ولم تقم عليه الحجة ما الحكم فيه؟
فأجابا: أن من مات من أهل الشرك قبل بلوغ هذه الدعوة فالذي يحكم عليه أنه إذا كان معروفا بفعل الشرك ويدين به ومات على ذلك فهذا ظاهره أنه مات على الكفر ولا يدعى له ولا يضحى له ولا يتصدق عليه أما حقيقة أمره فإلى الله تعالى فإن كان قد قامت عليه الحجة في حياته وعاند فهذا كافر في الظاهر والباطن وإن كان لم تقم عليه الحجة فأمره إلى الله تعالى .
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن (وهو من الطلاب الذين درسوا على الشيخ محمد بن عبد الوهاب مباشرة في أول طلبه للعلم في آخر حياة جده) : وقال ويقال وكل كافر قد أخطأ والمشركون لا بد لهم من تأويلات ويعتقدون أن شركهم بالصالحين تعظيم لهم ينفعهم ويدفع عنهم فلم يعذروا بذلك الخطأ ولا بذلك التأويل ، فتاوى الأئمة النجدية3/168 .
وقال الشيخ عبد الله أبا بطين أيضا في الدرر السنية 10/352 فلا عذر لأحد بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم في عدم الإيمان به وبما جاء به بكونه لم يفهم حجج الله .
ونقل عن ابن تيمية في الدرر السنية 10/355 أنه لم يتوقف في الجاهل .
وقال إن من لم يكفر إلا المعاند إذا ارتكب كفرا فهذا مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة ، في الدرر السنية 10/359 .
وقال في الدرر السنية 12/69-70 وقد أجمع المسلمون على كفر من لم يكفر اليهود والنصارى أو شك في كفرهم ونحن نتيقن أن أكثرهم جهال .
وقال الشيخ أبا بطين في الدرر السنية 12/72-73 ، وفي مجموعة الرسائل 1/659 قال فالمدعي أن مرتكب الكفر متأولا أو مجتهدا أو مخطئا أو مقلدا أو جاهلا معذور مخالف للكتاب والسنة والإجماع بلا شك مع أنه لا بد أن ينقض أصله فلو طرد أصله كفر بلا ريب كما لو توقف في تكفير من شك في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك .
وقال أيضا في الدرر 10/359 قال فكيف يقول هذا (أي الذي يعذر بالجهل في نواقض التوحيد) في من يشك في وجود الرب سبحانه وتعالى أو في وحدانيته أو يشك في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو في البعث بعد الموت فإن طرد أصله في ذلك فهو كافر بلا شك كما قرره موفق الدين أي ابن قدامة في كلامه المتقدم وإن لم يطرد أصله في ذلك فلم لا يعذر بالشك في هذه الأشياء وعذر فاعل الشرك الأكبر المناقض لشهادة إلا إله إلا الله التي هي أصل دين الإسلام بجهله فهذا تناقض ظاهر .
وقال أبا بطين في الرسائل والمسائل 2/211-213 قال أما حكم من مات في زمان الفترات ولم تبلغه دعوة رسول فإن الله سبحانه أعلم بهم واسم الفترة لا يختص بأمة دون أمة كما قال الإمام أحمد في خطبة على الزنادقة والجهمية: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم ، ويروى هذا اللفظ عن عمر.
ونقل أبا بطين عن ابن القيم الطبقة الرابعة عشر : قوم لا طاعة لهم ولا معصية ولا كفر ولا إيمان قال وهؤلاء أصناف منهم من لم تبلغه الدعوة بحال ولا سمع لها بخبر ومنهم المجنون الذي لا يعقل شيئا ومنهم الأصم الذي لا يسمع شيئا ومنهم أطفال المشركين الذين ماتوا قبل أن يميزوا فاختلفت الأمة في حكم هذا الطبقة واختار هو ما اختار شيخه ابن تيميه .
وقال أبا بطين في رسالة الانتصار ص11 وأرسل الله جميع الرسل يدعون إلى التوحيد ومعرفة ضده وهو الشرك الذي لا يغفر ولا عذر لمكلف في الجهل بذلك اهـ
وقال وأول شئ يبدأ به العلماء في باب حكم المرتد الشرك يقولون من أشرك بالله كفر لأن الشرك عندهم أعظم أنواع الكفر ولم يقولوا إن كان مثله لا يجهله كما قالوا فيما دونه اهـ .
ونقل أبا بطين في الدرر 10/392 عن ابن جرير عند تفسير قولة تعالى ( فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون ) قال ابن جرير وهذا يدل على أن الجاهل غير معذور اهـ
وقال أبا بطين في الدرر السنية 10/393 لما نقل حديث عدي ابن حاتم ما عبدناهم وقال صلى الله عليه وسلم(أليس يحلون ما حرم الله فتحلونه ..الحديث ) قال أبا بطين فذمهم الله سبحانه وسماهم مشركين مع كونهم لم يعلموا أن فعلهم معهم هذا عبادة لهم فلم يعذروا بالجهل اهـ .
وقال لما نقل كلام ابن تيمية في الإجماع على أن من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم فيسألهم أنه كافر مشرك يتناول الجاهل وغيره اهـ. وانظر الدرر ايضا 10 /355
وقال أبا بطين في الدرر 12/69- 74 ، وأيضا 10/365) قال: فإن كان مرتكب الشرك الأكبر معذورا لجهله فمن الذي لا يعذر؟! ولازم هذه الدعوى أنه ليس لله حجة على أحد إلا المعاند مع أن صاحب هذه الدعوى لا يمكنه طرد أصلة بل لا بد أن يتناقض فإنه لا يمكن أن يتوقف في من شك في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أو شك في البعث أو غير ذلك من أصول الدين والشاك جاهل . وقال: ولازم هذا أن لا نكفر جهلة اليهود والنصارى والذين يسجدون للشمس والقمر والأصنام لجهلهم ولا الذين حرقهم علي بن أبي طالب بالنار لأنا نقطع أنهم جهال وقد أجمع المسلمون على كفر من لم يكفر اليهود والنصارى أو شك في كفرهم ونحن نتيقن أن أكثرهم جهال.
وقال الشيخ أبا بطين في الدرر السنية ( 10 / 394 ، 395 ) قال: وقولك حتى تقوم عليهم الحجة الرسالية من إمام أو نائبه معناه أن الحجة الإسلامية لا تقبل إلا من إمام أو نائبة وهذا خطأ فاحش لم يقله أحد من العلماء بل الواجب على كل أحد قبول الحق ممن قاله كائنا من كان ومقتضى هذا أن من ارتكب أمرا محرما شركا فما دونه بجهل وبين له من عنده علم بأدلة الشرع أن ما ارتكبه حرام وبين له دليله من الكتاب والسنة أنه لا يلزمه قبوله إلا أن يكون ذلك من إمام أو نائبه وأن حجة الله لا تقوم عليه إلا أن يكون ذلك من الإمام أو نائبه وأظنك سمعت هذا الكلام من بعض المبطلين وقلدته فيه ما فطنت لعيبه وإنما وظيفة الإمام أو نائبه إقامة الحدود واستتابة من حكم الشرع بقتله كالمرتد في بلاد الإسلام وأظن هذه العبارة مأخوذة من قول بعض الفقهاء في تارك الصلاة أنه لا يقتل حتى يدعوه الإمام أو نائبه إلى فعلها والدعاء إلى فعل شيء غير بيان الحجة على خطئه أو صوابه أو كونه حقا أو باطلا بأدلة الشرع فالعالم مثلا يقيم الأدلة الشرعية على وجوب قتل تارك الصلاة ثم الإمام أو نائبه يدعوه إلى فعلها ويستتيبه اهـ .
وقال الشيخ أبا بطين في مجموعة الرسائل والمسائل 1 / 657 ( في رسالة له في تكفير المعين الذي أشرك بالله ولو جاهلا ) قال : فالأمر الذي دل عليه الكتاب والسنة وإجماع العلماء على أن مثل الشرك بعبادة الله غيره سبحانه كفر فمن ارتكب شيئا من هذا النوع أو حسنه فهذا لا شك في كفره ولا بأس بمن تحققت منه أشياء من ذلك أن تقول كفر فلان بهذا الفعل ويبين هذا أن الفقهاء يذكرون في باب حكم المرتد أشياء كثيرة يصير بها المسلم مرتدا كافرا ويستفتحون هذا الباب بقولهم : من أشرك بالله فقد كفر وحكمه أنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل ، والاستتابة إنما تكون مع معين.
وقال فيها أيضا : وكلام العلماء في تكفير المعين كثير وأعظم أنواع هذا الشرك عبادة غير الله وهو كفر بإجماع المسلمين ولا مانع من تكفير من اتصف بذلك لأن من زنا قيل فلان زان ومن رابا قيل فلان رابا . اهـ وانظر مجموعة المسائل 1/657
وقال الشيخ أبا بطين في الدرر10/401 قال : نقول في تكفير المعين ظاهر الآيات والأحاديث وكلام جمهور العلماء يدل على كفر من أشرك بالله فعبد معه غيره ولم تفرق الأدلة بين المعين وغيره قال تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) وقال تعالى ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) وهذا عام في كل واحد من المشركين ، وجميع العلماء في كتب الفقه يذكرون حكم المرتد وأول ما يذكرون من أنواع الكفر والردة الشرك فقالوا : إن من أشرك بالله كفر ولم يستثنوا الجاهل ، ومن زعم لله صاحبة أو ولدا كفر ولم يستثنوا الجاهل ، ومن قذف عائشة كفر ، ومن استهزأ بالله أو رسله أو كتبه كفر إجماعا لقوله تعالى ( لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) ويذكرون أنواعا كثيرة مجمعا على كفر صاحبها ولم يفرقوا بين المعين وغيره ثم يقولون : فمن ارتد عن الإسلام قتل بعد الاستتابة ، فحكموا بردته قبل الحكم باستتابته ، فالاستتابة بعد الحكم بالردة والاستتابة إنما تكون لمعين ويذكرون في هذا الباب حكم من جحد وجوب واحدة من العبادات الخمس أو استحل شيئا من المحرمات كالخمر والخنزير ونحو ذلك أو شك فيه يكفر إذا كان مثله لا يجهله ولم يقولوا ذلك في الشرك ونحوه مما ذكرنا بعضه بل أطلقوا كفره ولم يقيدوه بالجهل ولا فرقوا بين المعين وغيره وكما ذكرنا أن الاستتابة إنما تكون لمعين ، وهل يجوز لمسلم أن يشك في كفر من قال إن لله صاحبة أو ولدا أو إن جبريل غلط في الرسالة أو ينكر البعث بعد الموت أو ينكر أحدا من الأنبياء ؟ وهل يفرق مسلم بين المعين وغيره في ذلك ونحوه وقد قال صلى الله عليه وسلم : من بدل دينه فاقتلوه ، وهذا يعم المعين وغيره ، وأعظم أنواع تبديل الدين الشرك بالله وعبادة غيره .. إلى أن قال ونحن نعلم أن من فعل ذلك ( الشرك ) ممن ينتسب للإسلام أنه لم يوقعهم في ذلك إلا الجهل ، فلو علموا أن ذلك يبعد عن الله غاية الإبعاد وأنه من الشرك الذي حرم الله لم يقدموا عليه ، فكفرهم جميع العلماء ولم يعذروهم بالجهل كما يقول بعض الضالين : إن هؤلاء معذورون لأنهم جهال .. إلى أن قال : وأما قول الشيخ ( ابن تيمية ) : ولكن لغلبة الجهل في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيره .. الخ فهو لم يقل انهم معذورون لكن توقف منه في إطلاق الكفر عليهم قبل التبيين فيجمع بين كلامه بأن يقال : إن مراده إننا إذا سمعنا من إنسان كلام كفر أو وجدناه في كلام بعض الناس المنظوم أو المنثور إننا لا نبادر في تكفير من رأينا منه ذلك أو سمعناه حتى نبين له الحجة الشرعية ، هذا مع قولنا إن هؤلاء الغلاة الداعين للمقبورين أو الملائكة أو غيرهم الراغبين إليهم بقضاء حوائجهم مشركون كفار .
وقال أبا بطين في الدرر ( 10 / 360 ، 375 ) قال : إن قول الشيخ تقي الدين : إن التكفير والقتل موقوف على بلوغ الحجة يدل من كلامه على أن هذين الأمرين وهما التكفير والقتل ليسا موقوفين على فهم الحجة مطلقا بل على بلوغها ففهمها شيء وبلوغها شيء آخر ، فلو كان هذا الحكم موقوفا على فهم الحجة لم نكفر ونقتل إلا من علمنا أنه معاند خاصة ، وهذا بين البطلان بل آخر كلامه رحمه الله يدل على أنه يعتبر فهم الحجة في الأمور التي تخفى على كثير من الناس وليس فيها مناقضة للتوحيد والرسالة كالجهل ببعض الصفات
وأما الأمور التي هي مناقضة للتوحيد والإيمان بالرسالة فقد صرح رحمه الله في مواضع كثيرة بكفر أصحابها وقتلهم بعد الاستتابة ولم يعذرهم بالجهل مع أننا نتحقق أن سبب وقوعهم في تلك الأمور إنما هو الجهل بحقيقتها فلو علموا أنها كفر تخرج من الإسلام لم يفعلوها ...
ثم ذكر أمثلة في كل من غلا في نبي أو صالح فجعل فيه نوعا من الألوهية .. إلى أن قال : ونحو هذه الأقوال التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح إلا لله فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل ..،
إلى أن قال : فانظر إلى قول ابن تيمية لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى يبين لهم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يقل حتى يتبين لهم ونتحقق منهم المعاندة بعد المعرفة .. إلى أن قال : فانظر إلى تفريقه بين المقالات الخفية والأمور الظاهرة فقال في المقالات الخفية التي هي كفر : قد يقال أنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها ولم يقل ذلك في الأمور الظاهرة فالأمر ظاهر في الفرق بين الأمور الظاهرة والخفية فيكفر بالأمور الظاهرة حكمها مطلقا .
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ رحمهم الله قال في الدرر السنية ( 12 / 260 ، 264 ) : وأما إن كان المكفر لأحد من هذه الأمة يستند في تكفيره له إلى نص وبرهان من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وقد رأى كفرا بواحا كالشرك بالله وعبادة ما سواه والاستهزاء به تعالى أو آياته أو رسله أو تكذيبهم أو كراهية ما أنزل الله من الهدى ودين الحق أو جحد صفات الله تعالى ونعوت جلاله ونحو ذلك ، فالمكفر بهذا وأمثاله مصيب مأجور مطيع لله ورسوله .. إلى أن قال : والتكفير بترك هذه الأصول وعدم الإيمان بها من أعظم دعائم الدين يعرفه كل من كانت له نهمة في معرفة دين الإسلام .
وقال رحمه الله في منهاج التأسيس ص 315 : إن كلام الشيخين ( ابن تيمية وابن القيم ) في كل موضع فيه البيان الشافي أن نفي التكفير بالمكفرات قوليها وفعليها فيما يخفى دليله ولم تقم الحجة على فاعله وأن النفي يراد به نفي تكفير الفاعل وعقابه قبل قيام الحجة وأن نفي التكفير مخصوص بمسائل النزاع بين الأمة وأما دعاء الصالحين والاستغاثة بهم وقصدهم في الملمات والشدائد فهذا لا ينازع مسلم في تحريمه أو الحكم بأنه من الشرك الأكبر وتقدم عن الشيخ ( ابن تيمية ) أن فاعله يستتاب فإن تاب وإلا قتل .
وقال الشيخ عبد اللطيف في المنهاج ( ص 320 ) قال : وكيف لا يحكم الشيخان ( ابن تيمية وابن القيم ) على أحد بالكفر أو الشرك وقد حكم به الله ورسوله وكافة أهل العلم وهذان الشيخان يحكمان أن من ارتكب ما يوجب الكفر والردة والشرك يحكم عليه بمقتضى ذلك وبموجب ما اقترف كفرا أو شركا أو فسقا إلا أن يقوم مانع شرعي يمنع من الإطلاق وهذا له صور مخصوصة لا يدخل فيها من عبد صنما أو قبرا أو بشرا أو مدرا لظهور البرهان وقيام الحجة بالرسل اهـ .
ومن رسالة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن آل الشيخ رحمهم الله (في حكم تكفير المعين) قال : فقد بلغنا وسمعنا من فريق ممن يدعي العلم والدين وممن هو بزعمه مؤتم بالشيخ محمد بن عبد الوهاب أن من أشرك بالله وعبد الأوثان لا يطلق عليه الكفر والشرك بعينه وذلك أن بعض من شافهني منهم بذلك سمع من بعض الأخوان أنه أطلق الشرك والكفر على رجل دعا النبي صلى الله عليه وسلم و استغاث به فقال له الرجل لا تطلق عليه الكفر حتى تعرفه ، فتاوى الأئمة النجدية 3/116.
وقال أيضا في كتابه : وذلك أن بعض من أشرنا إليه باحثته عن هذه المسألة فقال نقول لأهل هذه القباب الذين يعبدونها ومن فيها فعلك هذا شرك وليس هو بمشرك واعتبر أن هذا القول بدعة ثم قال : وذكر الذي حدثني عن هذا أنه سأله بعض الطلبة عن ذلك وعن مستندهم فقال : نكفر النوع ولا نعين الشخص إلا بعد التعريف ومستندنا ما رأيناه في بعض رسائل الشيخ محمد رحمه الله على أنه امتنع من تكفير من عبد قبة الكواز وعبد القادر من الجهال لعدم من ينبه ، قال ذلك إسحاق على وجه الإنكار على هذا القول الباطل . (وكلام الشيخ محمد يفسره أهل العلم العارفين بمعاني كلامه وليس يفسره أهل الجهل والأهواء ، فالشيخ محمد رحمه الله وإن كان قال هذا فهو لم ينف اسم الشرك عنهم وأنهم مشركون بالله فإن الشرك والإسلام ضدان لا يجتمعان)
وقال الشيخ إسحاق أيضا: ومسألتنا هذه وهي: عبادة الله وحده لا شريك له والبراءة من عبادة ما سواه وأن من عبد مع الله غيره فقد أشرك الشرك الأكبر الذي ينقل عن الملة ، وهي أصل الأصول وبها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وقامت على الناس الحجة بالرسول وبالقرآن وهكذا تجد الجواب من أئمة الدين في ذلك الأصل عند تكفير من أشرك بالله فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل لا يذكرون التعريف في مسائل الأصول إنما يذكرون التعريف في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض المسلمين كمسائل نازع بها بعض أهل البدع كالقدرية والمرجئة أو في مسألة خفية : كالصرف والعطف ، وكيف يعرّفون عباد القبور وهم ليسوا بمسلمين ولا يدخلون في مسمى الإسلام وهل يبقى مع الشرك عمل .
وقال : ولكن هذا المعتقد يلزم منه معتقد قبيح وهو : أن الحجة لم تقم على هذه الأمة بالرسول والقرآن نعوذ بالله من سوء الفهم الذي أوجب لهم نسيان الكتاب والرسول.
وقال وهذه الشبهة التي ذكرنا قد وقع مثلها أو دونها لأناس في زمن الشيخ محمد رحمه الله ولكن من وقعت له يراها شبهة ويطلب كشفها وأما من ذكرنا فإنهم يجعلونها أصلا ويحكمون على عامة المشركين بالتّعريف ويجهّلون من خالفهم فلا يوفقون للصواب . (قلت: وهذا حاصل اليوم بأن نرى من يحكم على المشركين بأنهم مسلمون جهال ويعتذر عنهم ويجعل هذا أصلا ويجهل من حكم عليهم بفعلهم وأجمع عليه العلماء، فنسأل الله العافية)
وقال: فتأمل قوله في تكفير هؤلاء العلماء وفي كفر من عبد الوثن الذي على قبر يوسف وأنه صريح في كلام ابن القيم رحمه الله وفي حكايته عن صاحب الرسالة وحكم عليه بآية المنافقين وأن هذا حكم عام . وقال ثم تجد كثيرا من رؤسائهم وقعوا في هذه الأنواع : فكانوا مرتدين وكثيرا تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة إلى أن قال : وأبلغ من ذلك أن منهم من صنف في الردة كما صنف : الرازي في عبادة الكواكب وهذه الردة عن الإسلام باتفاق المسلمين .
وقال ثم تأمل كلام شيخ الإسلام في حكمه عليهم بالكفر وهل قال : لا يكفرون حتى يعرّفوا أو لا يسمون مشركين بل فعلهم شرك كما قال من أشرنا إليه؟ .
وقال ثم تأمل حكاية الشيخ عن شيخ الإسلام في كلامه على المتكلمين ومن شاكلهم : وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال أنه مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها حتى يعرف لكن يكون ذلك في الأمور الظاهرة إلى أن قال : إن اليهود والنصارى والمشركين يعلمون أن محمدا بعث بها وكفر من خالفها مثل : أمره بعبادة الله وحده لا شريك له ونهيه عن عبادة أحد سواه من النبيين والملائكة ثم تجد كثيرا من رؤسائهم وقعوا في هذه الأنواع فكانوا مرتدين إلى أن قال الشيخ : فتأمل كلامه في التفرقة بين المقالات الخفية وبين ما نحن فيه في كفر المعين وتأمل تكفيره رؤسائهم فقف وتأمل كما قال الشيخ .
وقال وقد ذكر الشيخ سليمان بن عبد الله رحمه الله تعالى في شرح التوحيد في مواضع منه : أن من تكلم بكلمة التوحيد وصلى وزكى ولكن خالف ذلك بأفعاله وأقواله من دعاء الصالحين والاستغاثة بهم والذبح لهم أنه شبيه باليهود والنصارى في تكلمهم بكلمة التوحيد ومخالفتهم .
وقال : فعلى هذا يلزم من قال بالتعريف للمشركين : أن يقول بالتعريف باليهود والنصارى في تكلمهم بكلمة التوحيد ومخالفتها ولا يكفرهم إلا بعد التعريف وهذا ظاهر بالاعتبار جدا .
ونقل كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب : فمن اعتقد في بشر أنه إله أو دعا ميتا وطلب منه الرزق والنصر والهداية وتوكل عليه وسجد له فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه .
ثم قال: فبطل استدلال العراقي وانهدم من أصله كيف يجعل النهي عن تكفير المسلمين متناولا لمن يدعو الصالحين ويستغيث بهم مع الله ويصرف لهم من العبادات ما لا يستحق إلا الله وهذا باطل بنصوص الكتاب
والسنة وإجماع علماء الأمة. ثم قال : ومن عجيب جهل العراقي أنه يحتج على خصمه بنفس الدعوى، والدعوى لا تصلح دليلا، فإن دعوى العراقي لإسلام عبّاد القبور تحتاج دليلا قاطعا على إسلامهم فإذا ثبت إسلامهم منع من تكفيرهم، والتفريع ليس مشكلا ومعلوم أن من كفر المسلمين لهواه كالخوارج والرافضة، أو كفر من أخطأ في المسائل الاجتهادية أصولا وفروعا فهذا ونحوه مبتدع ضال مخالف لما عليه أئمة الهدى ومشايخ الدين ومثل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب لا يكفر أحداً بهذا الجنس، ولا من هذا النوع وإنما يكفر من نطق بتكفيره الكتاب العزيز وجاءت به السنة الصحيحة وأجمعت على تكفيره الأمة، كمن بدل دينه وفعل فعل الجاهلية الذين يعبدون الأنبياء والملائكة والصالحين ويدعونهم، فإن الله كفرهم وأباح دماءهم وأموالهم وذراريهم بعبادة غيره نبياً أو ولياً أو صنماً، لا فرق في الكفر بينهم كما دل عليه الكتاب العزيز والسنة المستفيضة، وبَسْط هذا يأتيك مفصلا وقد مر بعضه .
وقال وقد سئل عن مثل هؤلاء الجهال فقرر : أن من قامت عليه الحجة وتأهل لمعرفتها يكفر بعبادة القبور وأما من أخلد إلى الأرض واتبع هواه فلا أدري ما حاله . وقال وقد سبق من كلامه ما فيه كفاية مع أن العلامة ابن القيم رحمه الله جزم بكفر المقلدين لمشايخهم في المسائل المكفرة إذا تمكنوا من طلب الحق ومعرفته وتأهلوا لذلك وأعرضوا ولم يلتفتوا ومن لم يتمكن ولم يتأهل لمعرفة ما جاءت به الرسل فهو عنده من جنس أهل الفترة ممن لم تبلغه دعوة رسول من الرسل ، وكلا النوعين لا يحكم بإسلامهم ولا يدخلون في مسمى المسلمين حتى عند من لم يكفر بعضهم وأما الشرك فهو يصدق عليهم واسمه يتناولهم وأي إسلام يبقى مع مناقضة أصله وقاعدته الكبرى شهادة أن لا إله إلا الله وبقاء الإسلام ومسماه مع بعض ما ذكره الفقهاء في باب حكم المرتد أظهر من بقائه مع عبادة الصالحين ودعائهم اهـ.
وقال فتأمل قوله رحمه الله : دعاء القبور وسؤالهم والاستغاثة بهم ليست من هذا الباب ولم يتنازع فيها المسلمون بل مجمع على أنها من الشرك المكفر كما حكاه شيخ الإسلام ابن تيميه نفسه وجعله مما لا خلاف بالتكفير به. وقال وتفطن أيضا فيما قاله الشيخ عبد اللطيف فيما نقله عن ابن القيم أن أقل أحوالهم أن يكونوا مثل أهل الفترة الذين هلكوا قبل البعثة ومن لا تبلغه دعوة نبي من الأنبياء إلى أن قال : وكلا النوعين لا يحكم بإسلامهم ولا يدخلون في مسمى المسلمين حتى عند من لم يكفر بعضهم وأما الشرك فهو يصدق عليهم واسمه يتناولهم وأي إسلام يبقى مع مناقضة أصله وقاعدته الكبرى شهادة ألا إله إلا الله اهـ
وقال الشيوخ عبد الله وإبراهيم أبناء الشيخ عبد اللطيف وسليمان بن سحمان : (وأما الجهمية وعباد القبور فلا يستدل بمثل هذه النصوص على عدم تكفيرهم إلا من لا يعرف حقيقة الإسلام ، وقالوا: لأن ما قام به من الشرك يناقض ما تكلم به من كلمة التوحيد )
وذكر الشيخ عبد الله وإبراهيم أبناء عبد الطيف وسليمان بن سحمان في الدرر(10/437-433 ) قالوا : إن أهل العلم والحديث لم يخـتلفوا في تكفير الجهمية إلى أن قالوا وقد ذكر شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم في غير موضع أن نفي التكفير بالمكفرات قوليها وفعليها فيما يخفى دليله ولم تقم الحجة على فاعله وأن النفي يراد به نفي تكفير الفاعل وعقابه قبل قيام الحجة وأن نفي التكفير مخصوص بمسائل النزاع بين الأمة وأما دعاء الصالحين والاستغاثة بهم وقصدهم في الملمات والشدائد فهذا لا ينازع مسلم في تحريمه والحكم بأنه من الشرك الأكبر فليس في تكفيرهم وتكفير الجهمية قولان . اهـ
وفي الدرر 10/434 فسروا توقف الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في من كان على قبة الكواز وعدم تكفيره حتى يدعوه فإنه لم يكفر الناس ابتداء إلا بعد قيام الحجة والدعوة لأنه إذ ذاك في زمن فترة وعدم علم بآثار الرسالة ولذلك قال لجهلهم وعدم من ينبههم فأما إذا قامت الحجة فلا مانع من تكفيرهم وإن لم يفهموها ) اهـ
ومع كون الشيخ قال هذا فإن كلامه لا يعني أنه يحكم بإسلام المشرك بل يسميه مشركا وإنما كلام الشيخ عن التكفير .
وقال الشيخ عبد الله وإبراهيم أبناء الشيخ عبد اللطيف وسليمان بن سحمان في الدرر السنية ( 10 / 432 ، 435 ) قالوا : وأما الجهمية وعباد القبور فلا يستدل بمثل هذه النصوص ( من صلى صلاتنا ونظائرها من النصوص النبوية ) على عدم تكفيره إلا من لم يعرف حقيقة الإسلام وما بعث الله به الرسل الكرام ، لأن حقيقة ما جاؤوا به ودعوا إليه وجوب عبادة الله وحده لا شريك له ، وإخلاص العمل له وألا يشرك في واجب حقه أحد من خلقه وأن يوصف بما وصف به نفسه من صفات الكمال ونعوت الجلال فمن خالف ما جاؤوا به ونفاه وأبطله فهو كافر ضال وإن قال لا إله إلا الله وزعم أنه مسلم لأن ما قام به من الشرك يناقض ما تكلم به من كلمة التوحيد فلا ينفعه التلفظ بقول لا إله إلا الله لأنه تكلم بما لم يعمل به ولم يعتقد ما دل عليه .
وقال الشيخ سليمان بن سحمان في كشف الشبهتين ص64 قال: إن الشرك الأكبر من عبادة غير الله وصرفها لمن أشركوا به مع الله من الأنبياء والأولياء والصالحين فإن هذا لا يعذر أحد في الجهل به بل معرفته والإيمان به من ضروريات الإسلام .
ونقل ابن سحمان عن شيخه الشيخ عبد الطيف في منهاج التأسيس ص102-105 قال: ولذلك حكم على المعينيين من المشركين من جاهلية العرب الأميين لوضوح الأدلة وظهور البراهين وفي حديث بني المنتفق (إذا مررت على قبر دوسي أو قرشي فقل إن محمدا يبشرك بالنار ) هذا وهم أهل فترة فكيف بمن نشأ من هذه الأمة وهو يسمع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والأحكام الفقهية في إيجاب التوحيد والأمر وتحريم الشرك والنهي عنه اهـ
ونقل عن مشايخه مقررا لهم كما في فتاوى الأئمة النجدية 3/195-196 (وأما مسألة عبادة القبور ودعائهم مع الله فهي مسألة وفاقية التحريم وإجماعية المنع والتأثيم فلم تدخل في كلام الشيخ ( ابن تيميه) لظهور برهانها ووضوح أدلتها وعدم اعتبار الشبهة فيها وقال قد تقدم أن عامة الكفار والمشركين من عهد نوح إلى وقتنا هذا جهلوا وتأولوا وأهل الحلول والاتحاد كابن عربي وابن الفارض والتلمساني وغيرهم من الصوفية تأولوا وعباد القبور والمشركون الذين هم محل النزاع تأولوا إلى أن قال والنصارى تأولت وقال من المعلوم بالضرورة من الدين أن الإسلام والشرك نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان وعلية يستحيل تحت أي شبهة من الشبة أن يكون المشرك مسلما لأن ذلك يؤدي إلى اجتماع النقيضين ووقوع المحال اهـ. (قلت: لكننا في زمن العجائب فنرى من يسمي المشرك مسلما ياربنا نسألك العافية)
وقال في كشف الشبهتين ص 93-94 : أما مسألة توحيد الله وإخلاص العبادة له فلم ينازع في وجوبها أحد من أهل الإسلام ولا أهل الأهواء ولا غيرهم ، وهي معلومة من الدين بالضرورة ، كل من بلغته الرسالة وتصورها على ما هي عليه ، وكذلك الجهمية الذين أخرجهم أكثر السلف من الثنتين والسبعين فرقة .. إلى أن قال : فالشخص المعين إذا صدر منه ما يوجب كفره من الأمور التي هي معلومة من ضروريات دين الإسلام مثل : عبادة غير الله سبحانه وتعالى ومثل جحد علو الله على خلقه ونفي صفات كماله ونعوت جلاله الذاتية والفعلية ومسألة علمه بالحوادث والكائنات قبل كونها ، فإن المنع من التكفير والتأثيم بالخطأ في هذا كله رد على من كفر معطلة الذات ومعطلة الربوبية ومعطلة الأسماء والصفات ومعطلة إفراده تعالى بالإلهية والقائلين بأن الله لا يعلم الكائنات قبل كونها كغلاة القدرية ومن قال بإسناد الحوادث إلى الكواكب العلوية ومن قال بالأصلين النور والظلمة ، فإن من التزم هذا كله فهو أكفر وأضل من اليهود والنصارى .
وقال في كشف الشبهتين ص 95 إن كلام شيخ الإسلام إنما يعرفه ويدريه من مارس كلامه وعرف أصوله ، فإنه قد صرح في غير موضع أن الخطأ قد يغفر لمن لم يبلغه الشرع ولم تقم عليه الحجة في مسائل مخصوصة إذا اتقى الله ما استطاع واجتهد بحسب طاقته ، وأين التقوى وأين الاجتهاد الذي يدعيه عباد القبور والداعون للموتى والغائبين والمعطلون للصانع عن علوه على خلقه ونفي أسمائه وصفاته ونعوت جلاله اهـ
وقال الشيخ ابن سحمان في كشف الشبهتين ص 79 –80 في ذكر مذهب ابن تيمية في عدم التكفير في المسائل الخفية حتى تقوم الحجة وأما المسائل الظاهرة الجلية المعلومة من الدين بالضرورة فهذا لا يتوقف في كفر قائله .
وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله، قال جامع الفتاوى في الفهرس: هل يعذر بالجهل بالتوحيد ، ثم قال : وسئل (أي الشيخ محمد بن إبراهيم )ولو كان جاهلا؟ فقال الشيخ :التوحيد ما فيه جهل ، هذا ليس مثله يُجهَل إنما هذا مُعرِض عن الدّين. يجهل الإنسان الشمس ؟! الفتاوى 12/198 0.
وبعد أن اجتاحت البلاد الإسلامية في هذه السنين موجات من فكر الخوارج القائم على التكفير بغير حق اجتاحتها موجات من الغلو المضاد _ كما هي العادة_ فانتشرت موجات من فكر المرجئة القائم على عدم التكفير بحق وأن من تلفظ بالشهادتين لا يضره حتى الشرك!!
وفي هاتين الطائفتين (الخوارج والمرجئة)يقول العلامة مفتي الديار النجدية الشيخ عبدالله أبا بطين رحمه الله : "وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره، وتعدى بآخرين فكفّروا من حكم الكتاب والسنة والإجماع بأنه مسلم،فيا مصيبة الإسلام من هاتين الطائفتين ومحنته من تينك البليتين!!". (فتاوى الأئمة النجدية3/336 طبعة دار ابن خزيمة).
ولا يسبق إلى ذهن القارئ أنهم يتكلمون عن أحكام الآخرة بل وصل الأمر إلى الحديث عن أحكام الدنيا وأن من يمارس الشرك الأكبر لا يطلق عليه مشرك ولا تطبق عليه أحكام المشرك من هجرهِ وبغضه واعتقاد كفره وعدم الصلاة عليه أو خلفه وعدم تزويجه وأكل ذبيحته واستحقاقه للقتال من قِبل الأئمة، فبعضهم يصرح بذلك وبعضهم يستخدم الحيدة ويقول لا يكفره إلا العلماء والمؤدى واحد،والعجيب أنهم يقولون من كذب يطلق عليه كاذب ومن سرق يطلق عليه سارق ومن أشرك لا يطلق عليه مشرك!!
ووالذي نفسي بيده إنها فتنة أشد من سابقتها،اختلط فيها الجهل بالهوى فلم تسمح نفوسهم باعتقاد كفر المشرك إذا كان من الأقارب ونسوا ملة إبراهيم (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده).
وأيضا هم لم يعرفوا منزلة التوحيد والنهي عن الشرك في الإسلام فجعلوهما كسائر الأشياء.
وتراهم يتمسكون بالمتشابه من نصوص الشرع وكلام العلماء.
وإذا كان القرآن مملوءاً بأن كفار قريش لم يأتهم نذير قبل بعثة نبينا عليه الصلاة والسلام ومع ذلك هم مشركون كفار مقتهم الله وأبغضهم حتى من مات قبل البعثة فكيف بهؤلاء؟ إلا إذا كانوا يعتقدون أن أهل مكة قبل بعثة نبينا كانوا مسلمين!!
فإن أقروا بكفرهم فهم أوسع عذراً من مشركي زماننا لو كانوا يفقهون.
وكان الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب لما أظهر الدعوة للتوحيد لم يستطع علماء السوء الرد عليه في ذلك فألقى الشيطان على ألسنتهم أن يقولوا له نحن نخالفك فقط في التكفير والقتال وبذلك تفسد دعوته من أصلها لأن النهي عن الشرك يعني تكفير المعين وقتاله عند القدرة فإذا قالوا لا تكفر المعين ولو أشرك استوى الموحد والمشرك ولم يعد للتوحيد معنى؛ولذلك ألف كشف الشبهات ومفيد المستفيد وكثير من رسائله الصغيرة والشخصية في الرد على ذلك،وهكذا شيوخه من قبله وطلابه من بعده .
وقال الشيخ أبوبطين موضحا أن شيخ الإسلام ابن تيمية لا يعذر بالجهل أو التأويل في مسائل الشرك:"فقد جزم رحمه الله في مواضع كثيرة بكفر من فعل ما ذكره من أنواع الشرك وحكى إجماع المسلمين على ذلك ولم يستثن الجاهل ونحوه قال تعالى:< إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء> (النساء 116) وقال عن المسيح <إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار>(المائدة 72) فمن خص ذلك الوعيد بالمعاند فقط فأخرج الجاهل والمتأول والمقلد فقد شاق الله ورسوله وخرج عن سبيل المؤمنين والفقهاء يصدرون باب حكم المرتد بمن أشرك ولم يقيدوا ذلك بالمعاند" ( الدرر السنية 10/40 وما بعدها وراجع الإنتصار ص 46 الدرر السنية 9/246).
وقال الشيخ محمد بن ابراهيم آل الشيخ مفتي المملكة العربية السعودية رحمه الله مثبتاً التفريق بين المسائل الظاهرة والخفية في مسألة تكفير المعين:
"إن الذين توقفوا في تكفير المعين هو في الأشياء التي يخفى دليلها فلا يكفّر حتى تقوم عليه الحجة الرسالية من حيث الثبوت والدلالة فإذا أوضحت له الحجة بالبيان الكافي كُفّر سواء فهم أو قال ما فهمت أو فهم وأنكر، ليس كفر الكفار كله عن عناد. وأما ما عُلم بالضرورة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء به ثم خالفه فهذا يكفر بمجرد ذلك ولا يحتاج إلى تعريف سواء في الأصول أو الفروع ما لم يكن حديث عهد بالإسلام". (فتاوى الشيخ محمد بن ابراهيم طبعة الحكومة السعودية 1/74)
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله:
"وأما إن كان المكفِّر لأحد من هذه الأمة يستند في تكفيره إلى نص وبرهان من كتاب الله وسنة نبيه وقد رأى كفرا بواحا كالشرك بالله وعبادة ما سواه ... فالمكفر بهذا مصيب مأجور مطيع لله ورسوله .... والتكفير بترك هذه الأصول من دعائم الدين، وأما من أطلق لسانه بمجرد عداوة أو هوى أو لمخالفة المذهب فهذا من الخطأ البيّن". (الفتاوى النجدية 3/335)
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن صاحب فتح المجيد رحمه الله:
"ولا ريب أن الله تعالى لم يعذر أهل الجاهلية الذين لا كتاب لهم بهذا الشرك الأكبر فكيف يعذر أمة كتاب الله بين أيديهم يقرؤونه فهو حجة الله على عباده". (فتاوى الأئمة النجدية 3/226 طبعة ابن خزيمة)
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن أيضا مبينا عدم العذر بالخطأ و الشبهة والتأويل في مسائل الشرك: "وكل كافر قد أخطأ والمشركون لا بد لهم من تأويلات ويعتقدون أن شركهم بالصالحين تعظيما لهم ينفعهم ويدفع عنهم فلم يعذروا بذلك الخطأ ولا بذلك التأويل" ( فتاوى الأئمة النجدية ص3/ 168 الدرر السنية 11/446)
وقال الشيخ محمد بن ابراهيم جواباً على هذا السؤال:"س: يقول بعضهم إن كان مراده كذا فهو كافر؟ قال: مراد هؤلاء أنه لا يكفر إلا المعاند فقط وهذا من أعظم الغلط فإن أقسام المرتدين معروفة؛منهم من ردته عناد وبعضهم لا وفي القرآن يقول الله عز وجل <ويحسبون أنهم مهتدون> (الأعراف 30) وحسبانهم أنهم على شيء لا ينفعهم وهذه شبهة كالشبهة الأخرى وهي عدم تكفير المنتسب إلى الإسلام وتلك الشبهة عدم تكفير المعين وصريح الكتاب والسنة يرد هذا وهذا". (فتاوى الشيخ محمد بن ابراهيم 12/1991 طبعة الحكومة السعودية)
وهذه فتاوى من كتاب شرح كشف الشبهات للشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله:
س : الاختلاف في مسائل العذر بالجهل هل من المسائل الخلافية ؟
ج : مسألة عظيمة ، والأصل فيها أنه لا يعذر من كان بين المسلمين من بلغه القرآن والسنة ، ما يعذر. الله جل وعلا قال :" وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ "، من بلغه القرآن والسنة غير معذور ، إنما أوتي من تساهله وعدم مبالاته .
س : لكن هل يقال هذه مسألة خلافية ؟
ج : ليست خلافية إلا في الدقائق التي قد تخفى مثل قصة الذي قال لأهله حرقوني.
س : كثير من المنتسبين للسلفية يشترطون في إقامة الحجة أن يكون من العلماء فإذا وقع العامي على كفر يقول ما نكفره ؟
ج : إقامة الدليل كل على حسب حاله .
س: هل يجب على العامي أن يكفر من قام كفره أو قام فيه الكفر ؟
ج: إذا ثبت عليه ما يوجب الكفر كفره ما المانع؟إذا ثبت عنده ما يوجب الكفر كفّره مثل ما نكفر أبا جهل وأبا طالب وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ، والدليل على كفرهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قاتلهم يوم بدر.
س: يا شيخ العامي يمنع من التكفير ؟
ج : العامي لا يكفِّر إلا بالدليل ، العامي ما عنده علم هذا المشكل ، لكن الذي عنده علم بشيء معين مثل من جحد تحريم الزنا هذا يكفر عند العامة والخاصة ، هذا ما فيه شبهة ، ولو قال واحد : إن الزنا حلال ، كفر عند الجميع هذا ما يحتاج أدلة ، أو قال : إن الشرك جائز يجيز للناس أن يعبدوا غير الله هل أحد يشك في هذا ؟! هذا ما يحتاج أدلة ، لو قال : إن الشرك جائز يجوز للناس أن يعبدوا الأصنام والنجوم والجن كفر .
التوقف يكون في الأشياء المشكلة التي قد تخفى على العامي .صـ 34
س : ما يعرف أن الذبح عبادة والنذر عبادة ؟
ج : يعلَّم ، الذي لا يعرف يعلَّم ، والجاهل يعلَّم .
س : هل يحكم عليه بالشرك ؟
ج : يحكم عليه بالشرك ، ويعلَّم أما سمعت الله يقول :"أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا" قال جل وعلا :" ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون " ما وراء هذا تنديدا لهم ،نسأل الله العافية .صـ 42
س : من نشأ ببادية أو بيئة جاهلية ؟
ج : يعلَّم أن هذا شرك أكبر حتى يتوب ، يقال له: هذا شرك أكبر عليك بالتوبة إلى الله . مثل ما كان المشركون يطوفون بالقبور ونصبوا عند الكعبة ثلاثمائة صنم وأرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم فالذي أجاب وهداه الله فالحمد لله والذي ما أجاب مشرك، هذا وأغلبهم جهال ،خرجوا إلى بدر جهال ، وإلى أحد جهال ،تابعوا رؤساءهم.قال الله جل وعلا :" أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا" ومع هذا حكم عليهم بالكفر .ص 56
س : يذكر العلماء في أهل البادية أن الأعرابي قد يعذر فما هي المسائل التي قد يعذر فيها صاحب البادية ؟ وهل هذا خاص بزمن النبي صلى الله عليه وسلم عند بداية الإسلام ؟.
ج : يعذر الأعرابي وغير الأعرابي بالشيء الذي يمكن جهله مثل بعض أركان الصلاة ، بعض أركان الزكاة ، بعض المفطرات،أما إذا جحد الصلاة رأساً وقال :لا أصلي ، أو جحد الصيام رأساً وقال لا أصوم رمضان ما يعذر؛ لأن هذا الشيء معلوم من الدين بالضرورة كل مسلم يعرف هذا، أو جحد شروط الحج أو أن عرفة من واجبات الحج ومن أعمال الحج لأنه قد يخفى عليه ، لكن يقر بالحج أنه فرض مثل هذه قد تخفى على العامي .
س : يُذكر يا شيخ – أحسن الله إليك – عن بعضهم أنه ما يعرف الجنابة ، وأنه ما يغتسل منها ؟
ج : يعلَّم ، العامي قد لا يفهم خصوصا بعض النساء ، يعلَّم ولا يكفر .
س : من وصلته كتب منحرفة ليست فيها عقيدة ولا توحيد هل يعذر بالجهل ؟
ج : إذا كان بين المسلمين ما يعذر بالشرك أما الذي قد يخفى مثل بعض واجبات الحج أو واجبات العمرة أو واجبات الصيام أو الزكاة بعض أحكام البيع ، وبعض أمور الربا ، قد يعذر وتلتبس عليه الأمور .
لكن أصل الدين كونه يقول أن الحج غير مشروع أو الصيام غير واجب أو الزكاة غير واجبة ، هذا لا يخفى على المسلمين ، هذا شيء معلوم من الدين بالضرورة .
س : لو قال لا بد أن تتوفر شروط فيمن أًريد تكفيره بعينه وتنتفي الموانع ؟
ج : مثل هذه الأمور الظاهرة ما يحتاج فيها شيء ، يكفر بمجرد وجودها ، لأن وجودها لا يخفى على المسلمين ، معلوم بالضرورة من الدين بخلاف الذي قد يخفى مثل شرط من شروط الصلاة ، بعض الأموال التي تجب فيها الزكاة ، تجب أو لا تجب ، بعض شؤون الحج ، بعض شؤون الصيام ، بعض شؤون المعاملات ، بعض مسائل الربا . صـ 99 – 100.
س : بعض الناس يقول : المعين لا يكفر .
ج : هذا من الجهل ، إذا أتى بمكفر يكفر .صـ 117
س : يا شيخ جملة من المعاصرين ذكروا أن الكافر ممن قال الكفر أو عمل بالكفر لا يكفر حتى تقام عليه الحجة ، وأدرجوا عباد القبور في هذا ؟
ج : هذا من جهلهم عباد القبور كفار ، واليهود كفار والنصارى كفار ولكن عند القتل يستتابون ، فإن تابوا وإلا قتلوا.
س : يا شيخ مسألة قيام الحجة ؟ هل قامت عليهم؟
ج : بلغهم القرآن ،هذا بلاغ للناس ، القرآن بلغهم وبين المسلمين "وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ "" هذا بلاغ للناس " ، " يا أيها الرسول بلغ" قد بلغ الرسول ، وجاء القرآن وهم بين أيدينا يسمعونه في الإذاعات ويسمعون في غيرها ، ولا يبالون ولا يلتفتون ، وإذا جاء أحد ينذرهم ينهاهم آذوه ، نسأل الله العافية .
س : حديث الرجل الذي قال إذا مت حرقوني ؟
ج : هذا جهل بعض السنن من الأمور الخفية من كمال القدرة ، جهلها فعذر؛ حمله على ذلك خوف الله ، وجهل تمام القدرة فقال لأهله ما قال .
س: سجود معاذ للنبي صلى الله عليه وسلم ؟
ج : هذا إن صح في صحته نظر ، لكن معاذ لو صح ظن أن هذا إذا جاز لكبار قادة المشركين هناك فالنبي أفضل ، هذا له شبهة في أول الإسلام ، لكن استقر الدين وعرف أن السجود لله ،وإذا كان هذا أشكل على معاذ في أول الأمر لكن بعده ما يشكل على أحد . صـ 126 – 127
و في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: عبد الرزاق عفيفي، عبد العزيز بن عبد الله بن باز في صفة الحجة وأنها تكون بالبلوغ:
" ومن عاش في بلاد يسمع فيها الدعوة بالإسلام وغيره ثم لا يؤمن ولا يطلب الحق من أهله فهو في حكم من بلغته الدعوة الإسلامية وأصر على الكفر، أما من عاش في بلاد غير إسلامية ولم يسمع عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن القرآن فهذا على تقدير وجوده حكمه حكم أهل الفترة" (فتاوى اللجنة الدائمة 2/96-99 طبعة اولي النهى)
وفي فتوى أخرى للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: عبد الله بن قعود، عبد الله بن غديان، عبد الرزاق عفيفي، عبد العزيز بن عبد الله بن باز:
س1: هل كل من أتى بعمل من أعمال الكفر أو الشرك يكفر؟ علماً بأنه أتى بهذا الشيء جاهلاً يعذر بجهلة أم لا يعذر؟ وما هي الأدلة بالعذر أو عدم العذر؟
ج1: لا يعذر المكلف بعبادته غير الله أو تقربه بالذبائح لغير الله أو نذره لغير الله، ونحو ذلك من العبادات التي هي من اختصاص الله إلا إذا كان في بلاد غير إسلامية ولم تبلغه الدعوة فيعذر؛ لعدم البلاغ لا لمجرد الجهل؛ لما رواه مسلم ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار). فلم يعذر النبي صلى الله عليه وسلم من سمع به، ومن يعيش في بلاد إسلامية قد سمع بالرسول صلى الله عليه وسلم فلا يعذر في أصول الإيمان بجهله.أما الذين طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم ذات أنواط يعلقون بها أسلحتهم فهؤلاء كانوا حديثي عهد بكفر وقد طلبوا فقط ولم يفعلوا فكان ما حصل منهم مخالفا للشرع، وقد أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بما يدل على أنهم لو فعلوا ما طلبوا كفروا. (ولاحظ هنا عندما عذروا من لم تبلغه الدعوة -وهذا على فرض وقوعه- فإنهم لم ينفوا إطلاق القول عليه بأنه مشرك إذا صدر منه مايقتضي ذلك)
وفي فتوى ثالثة للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: عبد الله بن قعود، عبد الرزاق عفيفي، عبد العزيز بن عبد الله بن باز:
س: هناك من يقول: كل من يتقيد برسالة محمد صلى الله عليه وسلم واستقبل القبلة بالصلاة ولو سجد لشيخه لم يكفر ولم يسمه مشركا، حتى قال: إن محمد بن عبد الوهاب الذي تكلم في المشركين في خلودهم في النار إذا لم يتوبوا قد أخطأ وغلط، وقال: إن المشركين في هذه الأمة يعذبهم ثم يخرجهم إلى الجنة، وقال: إن أمة محمد لم يخلد فيهم أحد في النار.
ج: كل من آمن برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وسائر ما جاء به في الشريعة إذا سجد بعد ذلك لغير الله من ولي وصاحب قبر أو شيخ طريق يعتبر كافرا مرتدا عن الإسلام مشركا مع الله غيره في العبادة، ولو نطق بالشهادتين وقت سجوده؛ لإتيانه بما ينقض قوله من سجوده لغير الله. لكنه قد يعذر لجهله فلا تنـزل به العقوبة حتى يعلم وتقام عليه الحجة ويمهل ثلاثة أيام؛ إعذارا إليه ليراجع نفسه، عسى أن يتوب، فإن أصر على سجوده لغير الله بعد البيان قتل لردته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه)أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما، فالبيان وإقامة الحجة للإعذار إليه قبل إنزال العقوبة به، لا ليسمى كافرا بعد البيان، فإنه يسمى: كافرا بما حدث منه من سجوده لغير الله أو نذره قربة أو ذبحه شاة مثلا لغير الله، وقد دل الكتاب والسنة على أن من مات على الشرك لا يغفر له ويخلد في النار؛ لقوله تعالى:(إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وقوله: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون). وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد, وآله وصحبه وسلم .
فتبين معنا أن من فعل الشرك الأكبر دون إكراه ملجئ فإنه يحكم عليه بأنه مشرك بعينه معاندا كان أو جاهلا ويعامل معاملة المشركين، ولا يمكن تسميته مسلما بحال؛ لأن الإسلام هو: (الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله) وهذا لم يأت به، والله تعالى يقول (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير). والتوحيد هو الأمر الوحيد الذي أخذ الله سبحانه وتعالى عليه الميثاق في عالم الذر ، وأخبر أنه لا يغفر لتاركه ألبتة ، وهو فطرة الله التي فطر الناس عليها ، وهو الذي أقام أدلة العقول والفطر وآيات الأنفس والأفاق على تقريره .
وأعظم شيء بعد الشهادة الأولى الشهادة الثانية : أن محمدا رسول الله، ومع هذا نعتقد أن الموحد الذي لم يشرك بالله شيئا ولم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لم يسمع به ولم يتمكن من السماع دون تفريط -وهذا على فرض وجوده في الكون- أنه لا يُحكم عليه بالضلال والشرك وأنه معذور بجهله . فما دون ذلك من باب أولى.
ولا يوجد فرق بين جهال اليهود والنصارى وبين مشركي العرب والعجم من المنتسبين للإسلام زورا وبهتانا فإن قيل: هؤلاء تلفظوا بالشهادة ، فالجواب : الشهادة من شروطها العلم بمعناها، والعمل بمقتضاها، فإن كان قالها بلا علم لم تنفعه ، وإن قالها بعلم واستمر على شركه فهو مغضوب عليه لم يدخل الإسلام.
فإن عذرتم بالجهل فاعذروا كل جهال العالم ، وإلا فقد جعلتم علة التكفير ليست هي الكفر كما قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في مفيد المستفيد قال تعالى: (أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر). وإنما التحدي الحقيقي الذي يرفع من مستوى قول من يعذر المشركين بالجهل ويسميهم مسلمين فهوأن يأتوا بأمرين اثنين لو استطاعوا وهما:
أ-أن يأتوا برجل فعل الشرك الأكبر وجعل لله ندا دون إكراه وعذر لجهله وسمي مسلما.
ب-أن يأتوا بدليل فرق الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم فيه بين المشرك المعاند والمشرك الجاهل.
وسننتظر حتى يأتوا بهذين الأمرين، فإن لم يفعلوا ولن يفعلوا، فلا كلام لنا معهم، قال تعالى: (وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون).
وينبغي أن يُعلم أن إعذار المشرك شركا أكبر وتسميته مسلما خطير للغاية على صاحبه لأنه لم يكفّر المشركين بلا دليل ولم يكفر بالطاغوت، وخطير للغاية على الناس؛ لأنه يعطل أثار التوحيد ولوازمه وحقوقه كلها، فالهجرة والجهاد والولاء والبراء والسفر والإقامة والذبائح والأنكحة والمواريث كلها متوقفة على هذه المسألة.
بناءً على ما تقدم لا يمكن أن تكون هذه المسألة خلافية البتة، ولو قاتل أهل التوحيد أهل الشرك _ونحن نعلم أن أكثرهم جهال، وأن الدعوة قبل القتال غير واجبة بعد انتشار الإسلام فنبينا صلى الله عليه وسلم بيّت قوما وهم غارون_، فلو قاتلهم أهل التوحيد، فهؤلاء العاذرون هل سيقاتلون مع الموحدين ضد إخوانهم الذين يرونهم مسلمين ؟ أم يقفون مع إخوانهم ضد أهل التوحيد ويعدونهم الفئة الباغية ؟ أم سيعدون هذا القتال الذي غايته: حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله يعدونه قتال فتنة ويعتزلوه ؟! ماذا سيكون موقفهم، وهل يتصور أن تكون هذه المسألة من مسائل الاجتهاد. والقرآن كله على النص عليها .
وأكثر من يُلبّس على الناس في هذه المسألة يتقي بأقوال الرجال ويبني دينه عليها وهذه علامة الإفلاس؛ لأن أقوال الرجال ضعيفة تحتاج إلى أن يحتج لها لا أن يحتج بها . ويجب أن يُعرف الحق أولا ثم توزن الأقوال به، فالرجال يُعرفون بالحق وليس الحق هو الذي يُعرف بالرجال _كما قال عليَّ رضي الله عنه_ والرجال إنما هم أدلاء على الطريق فإذا رأيت أنوار المدينة لم تحتج للأدلاء قال تعالى : (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ، والناس في الرجال طرفان ووسط فمنهم من ترك اتباع الصحابة ومن اتبعهم بإحسان واعتمد على فهمه القاصر ، ومنهم من اتخذ العلماء أرباباً من دون الله ، والوسط أن يُستدل بهم على الطريق فإن زاغ حكيم أو زل لزمت الحق فإن على الحق نوراً _كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه_ .
وهؤلاء يحتجون بكلام لابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب مشتبه في العذر بالجهل، فنأتيهم بكلام لهما واضح غاية الوضوح في تسمية المشرك مشركا وعدم عذره بالجهل في إطلاق لفظ الشرك عليه فعلى أسوأ حال يقال تقابل القولان فتساقطا حتى يعلم الناسخ من المنسوخ منهما ونرجع للأدلة، وأيضا نأتيهم بكلام من هو أجل منهما وبالأدلة الواضحة. فلا تغني عنهم بضاعتهم شيئا؛ وإنما هم كما قال الأول :
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ******* سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
والعالم لا يأتيه الرسوخ جملة واحدة وقد يخطئ، والمنقول إلينا لا يُدرى هل هو من قديم كلامه أو من حديثه.
وقد يداري العالم ولا يداهن، فيأتي بكلام مجمل يحتمل معنيين لظرفٍ يمر به ، ولم يعلم أنه سيتخذ دينا للجهال؛ ولأجل هذه المعاني وغيرها كره أحمد وغيره كتابة فتاواه.
ولابن تيمية رحمه الله كلام واضح في تسميتهم مشركين في الجزء العشرين من مجموع الفتاوى، وكذا للإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله فتوى فيمن مات على الشرك قبل دعوته، فأفتى بأنهم لا يورثون ويعاملون كالمشركين، وله رسائل واضحة في ذلك (كمفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد) ، ورسالة (أصل الإسلام وقاعدته) ، وفي تفسيره كذلك.
وحفيده وتلميذه عبدالرحمن بن حسن أشار إلى أن هذه المواضع المشتبهة كانت في ابتداء دعوته وكان يداري ويقول ( الله خير من زيد) ولا يمكنه إلا ذلك ، وابنه الشيخ إسحاق قال لمن احتج بهذه المواضع: أنت مثل الذباب لا يقع إلا على الجرح_ كما في رسالته في تكفير المعين_.
وممن يتقي به أهل عصرنا بعض فتاوى لابن عثيمين ؛ لكنهم أخذوا منها ما يريدون وتركوا باقيها فهو يقول : « كل الناس اليوم قامت عليهم الحجة بالبلاغ » وهم يطبقون فتواه على مشركي زماننا، وهو لا يشترط التفهيم وهم يشترطونه ، وهو يكفر تارك الصلاة بعينه. وتارك التوحيد أولى ومع ذلك هم يخالفونه، وهذا كله يعارض ما نقلوه عنه . والحاصل أن أقوال الرجال أهون ما يقف في وجه الحق الواضح والحمد لله .
وفي الختام نحن في انتظار الأمرين الفاصلين وهما:
- دليل على تفريق الله ورسوله في المشرك شركا أكبر بين الجاهل وغيره .
- دليل على صورة وجد فيها من أشرك شركاً أكبر وعُذر لجهله وسمي مسلما.
وما لم يأت شيء من ذلك فإن جهاد هؤلاء (الجورجيسيين) هو الجهاد الكبير كما جاهدهم أسلافنا.
قال العلامة الأثري أحمد بن مشرّف(ت 1285) في ديوانه الذي طبعه الملك عبدالعزيز ووزعه على طلاب العلم على نفقته:
لم يسلكوا منهج التوحيد بل فُتنوا **** بكل ذي جدث في اللحد مقبور
فاحكم بتكفير شخص لا يكفرهم **** فالحق شمس وهذا غير معذور
واقذف جنود بن جرجيسَ وشيعته **** بكل هجوٍ بمنظوم ومنثور
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
ونصيحة الختام : ليت الذين يتكلمون في هذه المسائل ويخوضون بغير علم ويضربون كلام العلماء بعضه ببعض فليتهم لا يتكلمون بغير علم وليتهم يدرسون هذه المسائل على أيدي علماء ليشرحوا لهم ويوضحوا لهم كلام العلماء وما اشتبه منه. فإنا نرى للأسف بعض الناس يستدل بما هو حجة عليه وذلك ربما راجع لسوء فهمه لكلام العلماء . والله أعلم
15 شعبان 1431 هـ
___________
مراجع المقال :
الدرر السنية
مجموع فتاوى ابن تيمية
المُتَمِّمَة لكلام أئمة الدعوة في مسألة الجهل في الشرك الأكبر
رسالة الشيخ إسحاق رحمه الله في تكفير المعين
الملخص المفيد في حكم تارك التوحيد للشيخ عبد الرحمن الحجي وفقه الله
رسالة في العذر بالجهل للشيخ عبد الرحمن الحجي وفقه الله

لتحميل المقال على ملف وورد